الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٢٤
بالبرهان و الملك ساكت، فقال: أيها الملك إن كنت صادقا في ما ادعيته فصدقني بأن تقوم على سريرك ثلاث مرات على التوالي و تقعد على خلاف عادتك؛ فقام الملك عقيب التماسه على التوالي ثلاث مرات ثم قعد، حصل للحاضرين علم ضروري بأنه رسول الملك قبل أن يخطر ببالهم أن هذا الملك من عادته الإغواء أم يستحيل في حقه ذلك، بل لو قال الملك صدقت و قد جعلت رسولا و وكيلا لعلم أنه وكيل و رسول، فاذا خالف العادة بفعله كان ذلك كقوله أنت رسولي، و هذا ابتداء نصب و تولية و تفويض، و لا يتصور الكذب في التفويض و إنما يتصور في الإخبار، و العلم يكون هذا تصديقا و تفويضا ضروريا، و لذلك لم ينكر أحد صدق الأنبياء من هذه الجهة، بل أنكروا كون ما جاء به الأنبياء خارقا للعادة و حملوه على السحر و التلبيس أو أنكروا وجود رب متكلم آمر ناه مصدق مرسل، فأما من اعترف بجميع ذلك و اعترف بكون المعجزة فعل اللّه تعالى حصل له العلم الضروري بالتصديق، فإن قيل: فهب أنهم رأوا اللّه تعالى بأعينهم و سمعوه بآذانهم و هو يقول هذا رسولي ليخبركم بطريق سعادتكم و شقاوتكم، فما الذي يؤمنكم أنه أغوى الرسول و المرسل إليه و أخبر عن المشقى بأنه مسعد و عن المسعد بأنه مشقى فان ذلك غير محال إذا لم تقولوا بتقبيح العقول؟ بل لو قدر عدم الرسول و لكن قال اللّه تعالى شفاها و عيانا و مشاهدة: نجاتكم في الصوم و الصلاة و الزكاة و هلاككم في تركها، فبم نعلم صدقه؟ فلعله يلبس علينا ليغوينا و يهلكنا، فإن الكذب عندكم ليس قبيحا لعينه و إن كان قبيحا فلا يمتنع على اللّه تعالى ما هو قبيح و ظلم، و ما فيه فيه هلاك الخلق أجمعين، و الجواب: إن الكذب مأمون عليه، فإنه إنما يكون في الكلام و كلام اللّه تعالى ليس بصوت و لا حرف حتى يتطرق إليه التلبيس بل هو معنى قائم بنفسه سبحانه، فكل ما يعلمه الإنسان يقوم بذاته خبر عن معلومه على وفق علمه و لا يتصور الكذب فيه، و كذلك في حق اللّه تعالى، و على الجملة: الكذب في كلام النفس محال و في ذلك الأمن عمّا قالوه، و قد اتضح