الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١١٦
فيقول: لأنه بلغ فأطاعني و أنت لم تطعني بالعبادات بعد البلوغ، فيقول:
يا رب لأنك أمتني قبل البلوغ فكان صلاحي في أن تمدني بالحياة حتى أبلغ فأطيع فأنال رتبته فلم حرمتني هذه الرتبة أبد الآبدين و كنت قادرا على أن توصلني لها؟ فلا يكون له جواب إلا أن يقول: علمت أنك لو بلغت لعصيت و ما أطعت و تعرضت لعقابي و سخطي فرأيت هذه الرتبة النازلة أولى بك و أصلح لك من العقوبة، فينادي الكافر البالغ من الهاوية و يقول: يا رب أو ما علمت أني إذا بلغت كفرت فلو أمتني في الصبا و أنزلتني في تلك المنزلة النازلة لكان أحب إليّ من تخليد النار و أصلح لي، فلم أحييتني و كان الموت خيرا لي؟ فلا يبقى له جواب البتة، و معلوم أن هذه الأقسام الثلاثة موجودة، و به يظهر على القطع أن الأصلح للعباد كلهم ليس بواجب و لا هو موجود.
الدعوى الخامسة:
ندعي أن اللّه تعالى إذا كلف العباد فأطاعوه لم يجب عليه الثواب، بل إن شاء أثابهم و إن شاء عاقبهم و إن شاء أعدمهم و لم يحشرهم، و لا يبالي لو غفر لجميع الكافرين و عاقب جميع المؤمنين، و لا يستحيل ذلك في نفسه و لا يناقض صفة من صفات الإلهية، و هذا لأن التكليف تصرف في عبيده و مماليكه، أما الثواب ففعل آخر على سبيل الابتداء، و كونه واجبا بالمعاني الثلاثة غير مفهوم و لا معنى للحسن و القبيح، و إن أريد له معنى آخر فليس بمفهوم إلا أن يقال إنه يصير وعده كذبا و هو محال، و نحن نعتقد الوجوب بهذا المعنى و لا ننكره.
فإن قيل: التكليف مع القدرة على الثواب و ترك الثواب قبيح، قلنا:
إن عنيتم بالقبح أنه مخالف غرض المكلف فقد تعالى المكلّف و تقدس عن الأغراض، و إن عنيتم به أنه مخالف غرض المكلّف مسلّم لكن ما هو قبيح عند المكلف لم يمتنع عليه فعله إذا كان القبيح و الحسن عنده و في حقه بمثابة