الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١١٥

على ترتيبها كما سبق فليس في هذا ما يناقضه، و إن أريد بها أمرا آخر فليس يجب له عندنا من الحكم إلا ما ذكرناه، و ما وراء ذلك لفظ لا معنى له.

فإن قيل فيؤدي إلى أن يكون ظالما و قد قال: وَ ما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [١] قلنا: الظلم منفي عنه بطريق السلب المحض كما تسلب الغفلة عن الجدار و العبث عن الريح، فإن الظلم إنما يتصور ممن يمكن أن يصادف فعله ملك غيره، و لا يتصور ذلك في حق اللّه تعالى أو يمكن أن يكون عليه أمر فيخالف فعله أمر غيره، و لا يتصور من الانسان أن يكون ظالما لما في ملك نفسه بكل ما يفعله إلا إذا خالف أمر الشرع فيكون ظالما بهذا المعنى، فمن لا يتصور منه أن يتصرف في ملك غيره و لا يتصور منه أن يكون تحت أمر غيره كان الظلم مسلوبا عنه لفقد شرطه المصحح له لا لفقده في نفسه، فلتفهم هذه الدقيقة فانها مزلة القدم، فإن فسر الظلم بمعنى سوى ذلك فهو غير مفهوم و لا يتكلم فيه بنفي و لا إثبات.

الدعوى الرابعة:

ندعي أنه لا يجب عليه رعاية الأصلح لعباده، بل له أن يفعل ما يشاء و يحكم بما يريد، خلافا للمعتزلة فإنهم حجروا على اللّه تعالى في أفعاله و أوجبوا عليه رعاية الأصلح. و يدل على بطلان ذلك ما دل على نفي الوجوب على اللّه تعالى كما سبق و تدل عليه المشاهدة و الوجود، فإنا نريهم من أفعال اللّه تعالى ما يلزمهم الاعتراف به بأنه لا صلاح للعبيد فيه، فإنا نفرض ثلاثة أطفال مات أحدهم و هو مسلم في الصبا، و بلغ الآخر و أسلم و مات مسلما بالغا، و بلغ الثالث كافرا و مات على الكفر، فإن العدل عندهم أن يخلد الكافر البالغ في النار، و أن يكون للبالغ المسلم في الجنة رتبة فوق رتبة الصبي المسلم، فاذا قال الصبي المسلم: يا رب لم حططت رتبتي عن رتبته؟


[١] سورة فصلت الآية: ٤٦.