الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١١٤

بل هو محال لغيره، و المحال لغيره في امتناع الوقوع كالمحال لذاته، و من قال إن الكفار الذين لم يؤمنوا ما كانوا مأمورين بالايمان فقد جحد الشرع، و من قال كان الايمان منهم متصورا مع علم اللّه سبحانه و تعالى بأنه لا يقع، فقد اضطر كل فريق إلى القول بتصور الأمر بما لا يتصور امتثاله، و لا يغني عن هذا قول القائل إنه كان مقدورا عليه و كان للكافر عليه قدرة، أما على مثلنا فلا قدرة قبل الفعل و لم تكن لهم قدرة إلا على الكفر الذي صدر منهم، و أما عند المعتزلة فلا يمتنع وجود القدرة و لكن القدرة غير كافية لوقوع المقدور بل له شرط كالارادة و غيرها، و من شروطه أن لا ينقلب علم اللّه تعالى جهلا، و القدرة لا تراد لعينها بل لتيسير الفعل بها، فكيف يتيسر فعل يؤدي إلى انقلاب العلم جهلا؟ فاستبان أن هذا واقع في ثبوت التكليف بما هو محال لغيره، فكذا يقاس عليه ما هو محال لذاته إذ لا فرق بينهما في إمكان التلفظ و لا في تصور الاقتضاء و لا في الاستقباح و الاستحسان.

الدعوى الثالثة:

ندعي أن اللّه تعالى قادر على إيلام الحيوان البري‌ء عن الجنايات و لا يلزم عليه ثواب، و قالت المعتزلة إن ذلك محال لأنه قبيح، و لذلك لزمهم المصير إلى أن كل بقة و برغوث أو ذي بعرة أو صدمة فإن اللّه عز و جل يجب عليه أن يحشره و يثيبه عليه بثواب، و ذهب ذاهبون إلى أن أرواحها تعود بالتناسخ إلى أبدان أخر و ينالها من اللذة ما يقابل تعبها؛ و هذا مذهب لا يخفى فساده، و لكنا نقول: أما إيلام البري‌ء عن الجناية من الحيوان و الأطفال و المجانين فمقدور بما هو مشاهد محسوس، فيبقى قول الخصم إن ذلك يوجب عليه الحشر و الثواب بعد ذلك فيعود إلى معنى الواجب، و قد بان استحالته في حق اللّه تعالى، و إن فسروه بمبنى رابع فهو غير مفهوم، و إن زعموا أن تركه يناقض كونه حكيما فنقول: إن الحكمة إن أريد بها العلم بنظام الأمور و القدرة