الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١١٣

فإن كلامنا في حق اللّه تعالى، و ذلك باطل في حقه لتنزهه عن الأغراض و رجوع ذلك إلى الأغراض، أما الانسان العاقل المضبوط بغالب الأمر فقد يستقبح ذلك و ليس ما يستقبح من العبد يستقبح من اللّه تعالى، فإن قيل:

فهو مما لا فائدة فيه و ما لا فائدة فيه فهو عبث و العبث على اللّه تعالى محال.

قلنا: هذه ثلاث دعاوى:

الأولى: إنه لا فائدة فيه، و لا نسلم، فلعل فيه فائدة لعباد اطلع اللّه عليها، و ليست الفائدة هي الامتثال و الثواب عليه بل ربما يكون في إظهار الأمر و ما يتبعه من اعتقاد التكليف فائدة، فقد ينسخ الأمر قبل الامتثال كما أمر ابراهيم عليه السلام بذبح ولده ثم نسخه قبل الامتثال، و أمر أبا جهل بالايمان و أخبر أنه لا يؤمن و خلاف خبره محال.

الدعوى الثانية: إن ما لا فائدة فيه فهو عبث، فهذا تكرير عبارة؛ فإنا بينا أنه لا يراد بالعبث إلا ما لا فائدة فيه فإن أريد به غيره فهو غير مفهوم.

الدعوى الثالثة: إن العبث على اللّه تعالى محال، و هذا فيه تلبيس، لأن لأن العبث عبارة عن فعل لا فائدة فيه ممن يتعرض للفوائد، فمن لا يتعرض لها فتسميته عابثا مجاز محض لا حقيقة له يضاهي قول القائل الريح عابثة بتحريكها الأشجار إذ لا فائدة لها فيه، و يضاهي قول القائل الجدار غافل أي هو خال عن العلم و الجهل و هذا باطل لأن الغافل يطلق على القابل للجهل و العلم إذا خلا عنهما، فاطلاقهما على الذي لا يقبل العلم مجاز لا أصل له، و كذلك اطلاق اسم العابث على اللّه تعالى و اطلاق العبث على افعاله سبحانه و تعالى، و الدليل الثاني في المسألة، و لا محيص لأحد عنه، أن اللّه تعالى كلف أبا جهل أن يؤمن و علم أنه لا يؤمن، و أخبر عنه بأنه لا يؤمن، فكأنه أمر بأن يؤمن بأنه لا يؤمن، إذ كان من قول الرسول صلى اللّه عليه و سلم إنه لا يؤمن و كان هو مأمورا بتصديقه، فقد قيل له صدق بأنك لا تصدق، و هذا محال، و تحقيقه أن خلاف المعلوم محال وقوعه و لكن ليس محالا لذاته،