الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١١١
و الحكم المعلل هو الوجوب، و نحن نطالبكم بتفهيم الحكم فلا يعنيكم ذكر العلة؛ فما معنى قولكم إنه يجب لفائدة الخلق و ما معنى الوجوب و نحن لا نفهم من الوجوب إلا المعاني الثلاثة، و هي منعدمة، فإن أردتم معنى رابعا ففسروه أولا ثم اذكروا علته، فإنا ربما لا ننكر أن للخلق في الخلق فائدة، و كذا في التكليف، و لكن ما فيه فائدة غيره لم يجب عليه إذا لم يكن له فائدة في فائدة غيره. و هذا لا مخرج عنه أبدا. على أنا نقول انما يستقيم هذا الكلام في الخلق لا في التكليف، و لا يستقيم في هذا الخلق الموجود بل في ان يخلقهم في الجنة متنعمين، من غيرهم و ضرر و غم و ألم، و أما هذا الخلق الموجود فالعقلاء كلهم قد تمنوا العدم، و قال بعضهم: ليتني كنت نسيا منسيا، و قال آخر ليتني لم أك شيئا، و قال آخر ليتني كنت تبنة رفعها من الأرض، قال آخر يشير إلى طائر ليتني كنت ذلك الطائر، و هذا قول الأنبياء و الأولياء و هم العقلاء، فبعضهم يتمنى عدم الخلق و بعضهم يتمنى عدم التكليف بأن يكون جمادا أو طائرا، فليت شعري كيف يستجيز العاقل في أن يقول:
للخلق في التكليف فائدة و انما معنى الفائدة نفي الكلفة، و التكليف في عينه إلزام كلفة و هو ألم، و إن نظر إلى الثواب فهو الفائدة، و كان قادرا على ايصاله إليهم بغير تكليف. فإن قيل: الثواب إذا كان باستحقاق كان ألذ و أوقع من أن يكون بالامتنان و الابتداء، و الجواب: أن الاستعاذة باللّه تعالى من عقل ينتهي إلى التكبر على اللّه عز و جل و الترفع من احتمال منته و تقدير اللذة في الخروج من نعمته أولى من الاستعاذة باللّه من الشيطان الرجيم؛ و ليت شعري كيف يعد من العقلاء من يخطر بباله مثل هذه الوساوس، و من يستثقل المقام أبد الآباد في الجنة من غير تقدم تعب و تكليف أخس من أن يناظر أو يخاطب، هذا لو سلم أن الثواب بعد التكليف يكون مستحقا، و سنبين نقيضه، ثم ليت شعري الطاعة التي بها يستحق الثواب من أين وجدها العبد؟ و هل لها سبب سوى وجوده و قدرته و إرادته و صحة أعضائه و حضور