الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٠٧

بأنه مستقذر، بل في الطبع ما هو أعظم من هذا فإن الأسامي التي تطلق عليها الهنود و الزنوج لما كان يقترن بها قبح المسمى به يؤثر في الطبع و يبلغ إلى حدّ لو سمى به أجمل الأتراك و الروم لنفر الطبع عنه، لأنه ادرك الوهم القبيح مقرونا بهذا الاسم فيحكم بالعكس، فإذا أدرك الاسم حكم بالقبح على المسمى و نفر الطبع. و هذا مع وضوحه للعقل فلا ينبغي أن يغفل عنه لأن إقدام الخلق و إحجامهم في أقوالهم و عقائدهم و أفعالهم تابع لمثل هذه الأوهام. و أما اتّباع العقل الصرف فلا يقوى عليه إلا أولياء اللّه تعالى الذين أراهم اللّه الحق حقا و قواهم على اتباعه، و ان اردت ان تجرب هذا في الاعتقادات فأورد على فهم العامي المعتزلي مسألة معقولة جلية فيسارع إلى قبولها، فلو قلت له إنه مذهب الأشعري رضي اللّه عنه لنفر و امتنع عن القبول و انقلب مكذبا بعين ما صدق به مهما كان سيئ الظن بالأشعري، إذ كان قبح ذلك في نفسه منذ الصبا، و كذلك تقرر أمرا معقولا عند العامي الأشعري ثم تقول له إن هذا قول المعتزلي فينفر عن قبوله بعد التصديق و يعود لى التكذيب، و لست أقول هذا طبع العوام بل طبع اكثر من رأيته من المتوسمين باسم العلم؛ فإنهم لم يفارقوا العوام في أصل التقليد بل أضافوا الى تقليد المذهب تقليد الدليل فهم في نظرهم لا يطلبون الحق بل يطلبون طريق الحيلة في نصرة ما اعتقدوه حقا بالسماع و التقليد، فان صادفوا في نظرهم ما يؤكد عقائدهم قالوا قد ظفرنا بالدليل، و إن ظهر لهم ما يضعف مذهبهم قالوا قد عرضت لنا شبهة، فيضعون الاعتقاد المتلقف بالتقليد أصلا و ينبزون بالشبهة كل ما يخالفه، و بالدليل كلى ما يوافقه، و انما الحق ضده؛ و هو أن لا يعتقد شيئا أصلا و ينظر إلى الدليل و يسمي مقتضاه حقا و نقيضه باطلا و كل ذلك منشؤه الاستحسان و الاستقباح بتقديم الإلفة و التخلق بأخلاق منذ الصبا، فإذا وقفت على هذه المثارات سهل عليك دفع الاشكالات. فان قيل: فقد رجع كلامكم إلى ان الحسن و القبيح يرجعان إلى الموافقة و المخالفة للاغراض، و نحن نرى العاقل يستحسن ما لا فائدة