الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٠٦

الاستقباح و لكنه مخطئ في حكمه بالقبح على الاطلاق؛ و في إضافة القبح إلى ذات الشي‌ء و منشؤه غفلته عن الالتفات إلى غيره، بل عن الالتفات إلى بعض أحوال نفسه، فإنه قد يستحسن في بعض أحواله غير ما يستقبحه مهما انقلب موافقا لغرضه.

الغلطة الثانية فيه: أن ما هو مخالف للأغراض في جميع الأحوال إلا في حالة نادرة، فقد يحكم الإنسان عليه مطلقا بأنه قبيح لذهوله عن الحالة النادرة و رسوخ غالب الأحوال في نفسه و استيلائه على ذكره، فيقضي مثلا على الكذب بأنه قبيح مطلقا في كل حال و أن قبحه لأنه كذب لذاته فقط لا لمعنى زائد، و سبب ذلك غفلته عن ارتباط مصالح كثيرة بالكذب في بعض الأحوال، و لكن لو وقعت تلك الحالة ربما نفر طبعه عن استحسان الكذب لكثرة إلفه باستقباحه، و ذلك لأن الطبع ينفر عنه من أول الصبا بطريق التأديب و الاستصلاح، و يلقي إليه أن الكذب قبيح في نفسه و أنه لا ينبغي أن يكذب قط، فهو قبيح و لكن بشرط يلازمه في أكثر الأوقات و إنما يقع نادرا، فلذلك لا ينبه على ذلك الشرط و يغرس في طبعه قبحه و التنفير عنه مطلقا.

الغلطة الثالثة: سبق الوهم إلى العكس، فإن ما رئي مقرونا بالشي‌ء يظن أن الشي‌ء أيضا لا محالة يكون مقرونا به مطلقا و لا يدري أن الأخص أبدا يكون مقرونا بالأعم، و أما الأعم فلا يلزم أن يكون مقرونا بالأخص.

و مثاله ما يقال من أن السليم، أعني الذي نهشته الحية، يخاف من الحبل المبرقش اللون، و هو كما قيل، و سببه أنه أدرك المؤذي و هو متصور بصورة حبل مبرقش، فاذا أدرك الحبل سبق الوهم إلى العكس و حكم بأنه مؤذ فينفر الطبع تابعا للوهم و الخيال و إن كان العقل مكذبا به، بل الانسان قد ينفر عن أكل الخبيص الأصفر لشبهه بالعذرة، فيكاد يتقيأ عند قول القائل إنه عذرة، يتعذر عليه تناوله مع كون العقل مكذبا به، و ذلك لسبق الوهم إلى العكس فإنه أدرك المستقذر رطبا أصفر فإذا رأى الرطب الأصفر حكم‌