الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٠

و حاكت في صدورهم. فهؤلاء يجب التلطف بهم في معالجتهم باعادة طمأنينتهم و إماطة شكوكهم بما أمكن من الكلام المقنع المقبول عندهم و لو بمجرد استبعاد و تقبيح أو تلاوة آية أو رواية حديث أو نقل كلام من شخص مشهور عندهم بالفضل. فإذا زال شكه بذلك القدر فلا ينبغي أن يشافه بالأدلة المحررة على مراسم الجدال، فإن ذلك ربما يفتح عليه أبوابا أخر من الإشكالات. فإن كان ذكيا فطنا لم يقنعه الا كلام يسبر على محك التحقيق.

فعند ذلك يجوز أن يشافه بالدليل الحقيقي و ذلك على حسب الحاجة و في موضع الاشكال على الخصوص.

الفرقة الرابعة: طائفة من أهل الضلال يتفرس فيهم مخائل الذكاء و الفطنة و يتوقع منهم قبول الحق بما اعتراهم في عقائدهم من الريبة أو بما يلين قلوبهم لقبول التشكيك بالحبلة و الفطرة. فهؤلاء يجب التلطف بهم في استمالتهم إلى الحق و إرشادهم إلى الاعتقاد الصحيح لا في معرض المحاجة و التعصب، فإن ذلك يزيد في دواعي الضلال و يهيج بواعث التمادي و الإصرار. و أكثر الجهالات إنما رسخت في قلوب العوام بتعصب جماعة من جهال أهل الحق أظهروا الحق في معرض التحري و الادلاء، و نظروا إلى ضعفاء الخصوم بعين التحقير و الإزراء. فثارت من بواطنهم دواعي المعاندة و المخالفة و رسخت في نفوسهم الاعتقادات الباطلة و عسر على العلماء المتلطفين محوها مع ظهور فسادها، حتى انتهى التعصب بطائفة إلى أن اعتقدوا أن الحروف التي نظروا بها في الحال بعد السكوت عنها طول العمر قديمة. و لو لا استيلاء الشيطان بواسطة العناد و التعصب للأهواء لما وجد مثل هذا الاعتقاد مستقرا في قلب مجنون فضلا عمن له قلب عاقل. و المجادلة و المعاندة داء محض لا دواء له، فليتحرز المتدين منه جهده و ليترك الحقد و الضغينة و ينظر إلى كافة خلق اللّه بعين الرحمة، و ليستعن بالرفق و اللطف في ارشاد من ضل من هذه الأمة.

و ليتحفظ من النكد الذي يحرك داعية الضلال، و ليتحقق أن مهيج داعية الاصرار بالعناد و التعصب معين على الاصرار على البدعة و مطالب بعهده اعانته في القيامة.