الغدير في التراث الإسلامي - الطباطبائي، السيد عبد العزيز - الصفحة ١٣٩
الكرخ وباب البصرة[١] واستظهر أهل باب البصرة وخرقوا أعلام السلطان، فقتل يومئذ جماعة... ".
وهكذا كانت هذه الوحشية تتجدّد بين فترة واُخرى، فإذا حلّ عاشوراء أقامت الشيعة عزاء الحسين عليه السلام إمامِهم وابن بنتِ نبيّهم، الذي قتلوه عطشاناً غريباً أقسى قتلة وأفظع جريمة، قتلوه جهاراً نهاراً، هو ومن كان معه من آل محمّد صلّى الله عليه وآله، منعوهم الماء وقتلوا رجالهم، وذبحوا أطفالهم، ونهبوا خيامهم وأحرقوها، وسَبوا بنات رسول الله صلّى الله عليه وآله وساقوها، اُسارى من بلد إلى بلد حتى أدخلوها على يزيد السكّير في مجلسه العامّ!
فالشيعة كانت ولا تزال متى ما حلّ عاشوراء تجدّدت عندهم هذه الذكريات فتقيم عزاءه وتظهر الحزن عليه، وكان ذلك أثقل شيء على اليزيديّين شيعة آل أبي سفيان، فكانوا كلّما مكّنتهم الظروف هجموا بالسلاح على هؤلاء الأبرياء العزّل الخارجين في عزاء إمامهم والمشاركين جدَّه النبي صلّى الله عليه وآله في الحزن عليه، فكانوا يهجمون عليهم قتلا وجرحاً ونهباً!! إعادةً لوحشية الجاهلية من غارة وقتل وسلب، وزادوا في الطنبور نغمة اُخرى، وهي إحراق محلاّت الشيعة بما فيها من أموال وأطفال ونساء وشيوخ!!
فاقرأ المصادر المؤرّخة على السنين كالمنتظم والكامل والبداية والنهاية وأمثالها تجد العجب العجاب وإن كانت مكتوبة بأقلام...
وهب أنّ القرن الرابع والخامس والسادس والسابع كان عصر العصبيّات والطائفيّات[٢] فما بال هذه الوحشية والمجازر الطائفية لا تزال جارية في أيّام
[١] الكرخ: محلّة الشيعة، وباب البصرة: محلّة السُنّيّين وهو باب المعظم اليوم.
[٢] ومن نماذج ذلك أيضاً ما ذكره ابن أبي الحديد المعتزلي الشافعي في شرح نهج البلاغة وهو متحدّث عن فتنة المغول وقد عاصرها وعايشها قال في ٨/٢٣٧:
" ولم يبق لهم إلاّ أصبهان، فإنّهم نزلوا عليها مراراً في سنة ٦٢٧ وحاربهم أهلها، وقتل من الفريقين مقتلة عظيمة ولم يبلغوا منها غرضاً، حتى اختلف أهل أصبهان في سنة ٦٣٣، وهم طائفتان حنفية وشافعية، وبينهم حروب متّصلة وعصبية ظاهرة! فخرج قوم من أصحاب الشافعي إلى من يجاورهم ويتاخمهم من ممالك التتار، فقالوا لهم: اقصدوا البلد حتى نسلّمه إليكم!
فنقل ذلك إلى قاآن بن جنكيزخان بعد وفاة أبيه ـ والملك يومئذ منوط بتدبيره ـ فأرسل جيوشاً من المدينة المستجدة التي بنوها وسمّوها قراحرم، فعبرت جيحون مغربة، وانضمّ إليها قوم مِمن أرسله جرماغون على هيئة المدد لهم، فنزلوا أصفهان في سنة ٦٣٣ المذكورة وحاصروها، فاختلف سيفا الشافعية والحنفية في المدينة حتى قتل كثير منهم! وفتحت أبواب المدينة، فتحها الشافعية!! على عهد بينهم وبين التتار أن يقتلوا الحنفية ويعفوا عن الشافعية! فلمّا دخلوا البلد بدؤوا بالشافعية فقتلوهم قتلا ذريعاً ولم يفوا مع العهد الذي عهدوه لهم، ثم قتلوا الحنفية، ثم قتلوا سائر الناس... ".
وراجع ـ كمثال آخر ـ عن الحروب بين هاتين الطائفتين كلمة " الريّ " في معجم البلدان.