سير اعلام النبلاء - ط الحديث - الذهبي، شمس الدين - الصفحة ٣٤٥
جَعَلَ الحَسَنُ يُوعِزُ لِلْحُسَيْنِ: يَا أَخِي, إِيَّاكَ أَنْ تَسفِكَ دَماً، فَإِنَّ النَّاسَ سِرَاعٌ إِلَى الفِتْنَةِ، فلمَّا تُوُفِّيَ ارتجَّت المَدِيْنَةُ صيَاحاً، فَلاَ تَلْقَى إلَّا بَاكِياً. وَأَبردَ مَرْوَانُ إِلَى مُعَاوِيَةَ بِخَبرِهِ، وَأَنَّهُم يُرِيْدُوْنَ دَفْنَهُ مَعَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلاَ يَصِلُوْنَ إِلَى ذَلِكَ أَبَداً وَأَنَا حَيٌّ، فَانْتَهَى حُسَيْنٌ إِلَى قَبْرِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: احْفِرُوا، فَنكبَ عَنْهُ سَعِيْدُ بنُ العَاصِ -يَعْنِي: أَمِيْرَ المَدِيْنَةِ، فَاعْتزلَ، وَصَاحَ مَرْوَانُ فِي بَنِي أُمَيَّةَ، وَلَبِسُوا السِّلاَحَ، فَقَالَ لَهُ حُسَيْنٌ: يَا ابْنَ الزَّرْقَاءِ, مَا لَكَ وَلِهَذَا؟ أوالٍ أَنْتَ؟ فَقَالَ: لا تخلص لهذا وأنا حيّ، فصاح الحسين بِحلفِ الفُضُولِ، فَاجتمعتْ هَاشِمٌ وَتَيْمٌ وَزُهْرَةُ وَأَسدٌ فِي السِّلاَحِ، وَعَقَدَ مَرْوَانُ لِوَاءً، وَكَانَتْ بَيْنَهُم مُرَامَاةٌ، وَجَعلَ عَبْدُ اللهِ بنُ جَعْفَرٍ يُلِحُّ عَلَى الحُسَيْنِ، وَيَقُوْلُ: يَا ابْنَ عَمِّ! أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى عَهدِ أَخِيْكَ? أُذَكِّرُكَ اللهَ أَنْ تَسفِكَ الدِّمَاءَ، وَهُوَ يَأبَى.
قَالَ الحَسَنُ بنُ مُحَمَّدٍ: فَسَمِعْتُ أَبِي يَقُوْلُ: لَقَدْ رَأَيتُنِي يَوْمَئِذٍ، وَإِنِّي لأُرِيْدُ أَنْ أَضْرِبَ عُنُقَ مَرْوَانَ, مَا حَالَ بَيْنِي وَبَيْنَ ذَلِكَ إلَّا أَنْ أَكُوْنَ أَرَاهُ مُسْتوجِباً لِذَلِكَ، ثُمَّ رَفقتُ بِأَخِي، وَذَكَّرْتُهُ وَصيَّةَ الحَسَنِ، فَأَطَاعنِي.
قَالَ جُوَيْرِيَةُ بنُ أَسْمَاءَ: لَمَّا أَخرجُوا جَنَازَةَ الحَسَنِ حَمَلَ مَرْوَانُ سَرِيرَهُ، فَقَالَ الحُسَيْنُ: تَحملُ سَرِيْرَهُ! أَمَا وَاللهِ لَقَدْ كُنْتَ تُجَرِّعُهُ الغَيْظَ, قَالَ: كُنْتُ أَفْعَلُ ذَلِكَ بِمَنْ يُوَازِنُ حِلْمُهُ الجِبَالَ.
وَيُرْوَى أنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: لاَ يَكُوْنُ لَهُم رَابعٌ أَبَداً، وَإِنَّهُ لَبَيْتِي أَعْطَانِيْهُ رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي حَيَاتِهِ. إِسْنَادهُ مُظْلِمٌ.
الثَّوْرِيُّ، عَنْ سَالِمِ بنِ أَبِي حَفْصَةَ؛ سَمِعَ أَبَا حَازِمٍ يَقُوْلُ: إِنِّيْ لَشَاهِدٌ يَوْمَ مَاتَ الحَسَنُ، فَرَأَيْتُ الحُسَيْنَ يَقُوْلُ لِسَعِيْدِ بنِ العَاصِ، وَيَطْعَنُ فِي عُنُقِهِ: تقدَّم، فَلَوْلاَ أَنَّهَا سُنَّةٌ مَا قُدِّمْتَ -يَعْنِي: فِي الصَّلاَةِ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: سَمِعْتُ رَسُوْلَ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يقول: "مَنْ أَحَبَّهُمَا فَقَدْ أَحَبَّنِي، وَمَنْ أَبْغَضَهُمَا فَقَدْ أبغضني" [١].
[١] حسن: أخرجه عبد الرزاق "٦٣٦٩"، وأحمد "٢/ ٥٣١"، وفي "فضائل الصحابة" له "١٣٧٨"، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" "٣٩٦١"، والطبراني في "الكبير" "٢٦٤٦"، والحاكم "٣/ ١٧١"، والبيهقي "٤/ ٢٨-٢٩" من طريق عن سفيان الثوري، به.
قلت: إسناده حسن، سالم بن أبي حفصة، صدوق.
وأخرجه أبو يعلى "٦٢١٥" من طريق محمد بن فضيل، والطبراني في "الكبير" "٢٦٤٨" من إسرائيل بن يونس، كلاهما عن سالم بن أبي حفصة، به.