مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٩٧ - ٣٤ سورة سبأ
المدينة الراقية التي أضاعها الكفران: بعد أن تطرّقت الآيات السابقة إلى توضيح النعم الإلهية العظيمة التي أولاها اللَّه داود وسليمان عليهما السلام، وأداء هذين النّبيين العظيمين وظيفتهما بالشكر، تنتقل الآيات أعلاه إلى الحديث عن قوم آخرين يمثّلون الموقف المقابل للموقف السابق .. قوم شملهم اللَّه بأنواع النعم، ولكنهم سلكوا طريق الكفران. يقول تعالى: «لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِى مَسْكَنِهِمْ ءَايَةٌ».
والمشهور أنّ «سبأ» اسم «أبي العرب» في اليمن.
ومن الممكن أن يكون «سبأ» اسم شخص ابتداءً، ثم بعدئذ سمّي كل أولاده وقومه من بعده باسمه، ثم انتقل الاسم ليشمل مكان سكناهم.
تنتقل الآية بعد ذلك لتجلّي الموقف عن تلك الموهبة الإلهية التي وضعت بين يدي قوم سبأ. فيقول تعالى: «جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ».
ما حصل هو أنّ قوم سبأ استطاعوا- ببناء سدّ عظيم بين الجبال الرئيسية في منطقتهم- حصر مياه السيول المدمّرة أو الضائعة هدراً على الأقل، والإفادة منها ... وبإحداث منافذ في ذلك السدّ سيطروا تماماً على ذلك الخزّان المائي الهائل، وبالتحكّم فيه تمكّنوا من زراعة مساحات شاسعة من الأرض.
ثم يضيف القرآن: «كُلُوا مِن رّزْقِ رَبّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيّبةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ».
فبلحاظ النعم المادية هواء نقي، ونسيم يبعث على السرور، أرض معطاءة وأشجار وافرة الثمر، وبلحاظ النعم المعنوية فمغفرة اللَّه التي شملتهم، والتغاضي عن تقصيرهم، وصرف البلاء والعذاب عنهم وعن بلدتهم.
ولكن هؤلاء الجاحدين غير الشكورين، لم يخرجوا من بوتقة الامتحان بسلام.
قال تعالى: «فَأَعْرَضُوا» استهانوا بنعمة اللَّه، توهّموا بأنّ العمران والمدنية والأمن أشياء عادية، نسوا اللَّه، وأسكرتهم النعمة.
وهنا مسّهم سوط الجزاء، يقول تعالى: «فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ». فدمّر بيوتهم ومزارعهم وحوّلها إلى خرائب ..
«العرم»: من «العرامة» وهي شراسة وصعوبة في الخلق تظهر بالفعل، ووصف «السيل» بالعرم إشارة إلى شدّته وقابليته على التدمير.
بعدئذٍ يصف القرآن الكريم عاقبة هذه الأرض كما يلي: «وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ