مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٣٦ - ٤٩ سورة الحجرات
الآنفتين بيان لحقيقة الإيمان إذ تقول الآية الاولى: «قَالَتِ الْأَعْرَابُ ءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِى قُلُوبِكُمْ». وطبقاً لمنطوق الآية فإنّ الفرق بين «الإسلام» و «الإيمان» في أنّ:
الإسلام
له شكل ظاهري قانوني، فمن تشهد بالشهادتين بلسانه فهو في زمرة المسلمين وتجري عليه أحكام المسلمين.
أمّا الإيمان فهو أمر واقعي وباطني، ومكانه قلب الإنسان لا ما يجري على اللسان أو ما يبدو ظاهراً.
في مجمع البيان: روى أنس عن النبي صلى الله عليه و آله قال:
«الإسلام علانية والإيمان في القلب».
وهذا المعنى نفسه وارد في تعبير آخر في بحث الإسلام والإيمان. في الكافي عن فضيل بن يسار قال: سمعت الإمام الصادق عليه السلام يقول:
«إنّ الإيمان يشارك الإسلام ولا يشاركه الإسلام، إنّ الإيمان ما وقر في القلوب والإسلام ما عليه المناكح والمواريث وحقن الدماء».
ثم تضيف الآية محل البحث فتقول: «وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَايَلِتْكُم مّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيًا». وسيوفّيكم ثواب أعمالكم بشكل كامل ولا ينقص منها شيئاً.
وذلك ل «إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ».
«يلتكم»: مشتق من «لَيت» على زنة (ريب) ومعناه الإنقاص من الحق.
والعبارات الأخيرة في الحقيقة إشارات إلى أصل قرآني مسلّم به وهو أنّ شرط قبول الأعمال «الإيمان»، إذ مضمون الآية أنّه إذا كنتم مؤمنين باللَّه ورسوله إيماناً قلبياً وعلامته طاعتكم للَّهوالرسول فإنّ أعمالكم مقبولة، ولا ينقص من أجركم شيء، ويثيبكم اللَّه، وببركة هذه الأعمال يغفر ذنوبكم لأنّ اللَّه غفور رحيم.
وحيث إنّ الحصول على هذا الأمر الباطني أي الإيمان ليس سهلًا، فإنّ
الآية التالية
تتحدث عن علائمه، العلائم التي تميّز المؤمن حقّاً عن المسلم والصادق عن الكاذب، وأولئك الذين استجابوا للَّهوللرسول رغبةً وشوقاً منهم عن أولئك الذين استجابوا طمعاً أو للوصول إلى المال والدنيا فتقول: «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ».
أجل، إنّ أوّل علامة للإيمان هي عدم التردد في مسير الإسلام، والعلامة الثانية الجهاد بالأموال، والعلامة الثالثة التي هي أهم من الجميع الجهاد بالنفس.