مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٦٨ - ٤٦ سورة الأحقاف
«الأحقاف»: تعني الكثبان الرملية التي تتشكل على هيئة مستطيل أو تعرجات ومنحنيات، على أثر هبوب العواصف في الصحاري، ويتّضح من هذا التعبير أنّ أرض قوم عاد كانت أرضاً حصباء كبيرة. إنّ هذه المنطقة تقع جنوب الجزيرة العربية قرب أرض اليمن.
يقول القرآن الكريم: «أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ». ثم هدّدهم بقوله: «إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ».
إلّا أنّ هؤلاء القوم المتمردين وقفوا بوجه هذه الدعوة الإلهية، وخاطبوا هوداً: «قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ ءَالِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ».
إلّا أنّ هوداً عليه السلام قال في ردّه على هذا الطلب المتهور الذي يدل على الجنون: «قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِندَ اللَّهِ». فهو الذي يعلم متى وفي أي ظروف ينزل عذاب الإستئصال، فلا هو مرتبط بطلبكم وتمنيكم، ولا هو تابع لرغبتي، بل يجب أن يتمّ الهدف ويتحقق، ألا وهو إتمام الحجة عليكم، فإنّ حكمته سبحانه تقتضي ذلك.
ثم يضيف: «وَأُبَلّغُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ». فهو مهمتي الأساسية، ومسؤوليتي الرئيسية، أمّا اتخاذ القرار في شأن طاعة اللَّه وأوامره فهو أمر يتعلق بكم، وإرادة نزول العذاب ومشيئته تتعلق به سبحانه.
«وَلكِنّى أَرَيكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ». وجهلكم هذا هو أساس تعاستكم وشقائكم، فإنّ الجهل المقترن بالكبر والغرور هو الذي يمنعكم من دراسة دعوة رسل اللَّه، ولا يأذن لكم في التحقيق فيها ...
وأخيراً لم تؤثر نصائح هود عليه السلام المفيدة، وإرشاداته الأخوية في قساة القلوب اولئك، وبدل أن يقبلوا الحق لجّوا في غيّهم وباطلهم، وتعصبوا له، وحتى نوح عليه السلام كذّبه قومه بهذا الادّعاء الواهي وهو أنّك إن كنت صادقاً فيما تقول فأين عذابك الموعود؟
والآن، وقد تمّت الحجة بالقدر الكافي، وأظهر اولئك عدم أهليتهم للبقاء، وعدم استحقاقهم للحياة، فإنّ حكمة اللَّه سبحانه توجب أن يرسل عليهم «عذاب الإستئصال» ذلك العذاب الذي يجتث كل شيء ولا يبقي ولا يذر.
وفجأة رأوا سحاباً قد ظهر في الأفق، واتسع بسرعة: «فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا» [١].
[١] «عارض»: من مادة «عرض»، وهنا بمعنى السحاب الذي ينتشر في عرض السماء، وربّما كان هذا أحد علامات السحب الممطرة بأنّها تتسع في ذلك الأفق ثم تصعد؛ و «الأودية»: جمع «واد»، وهو المنخفض ومجرى السيول والمياه.