مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٦٢ - ٤٦ سورة الأحقاف
البوادي والفقراء والحفاة والجواري والعبيد؟ إذا كان ديناً مقبولًا ومعقولًا فلا ينبغي أن يكون أتباعه من طبقة فقيرة واطئة اجتماعياً، ونتخلف نحن أعيان المجتمع وأشرافه عن اتباعه. وقد أجاب القرآن هؤلاء جواباً شافياً كافياً سيتّضح في تفسير هذه الآيات.
التّفسير
شرط الإنتصار الإيمان والإستقامة: تستمر هذه الآيات في تحليل أقوال المشركين وأفعالهم، ثم تقريعهم وملامتهم بعد ذلك، فتشير أوّلًا إلى ما نطق به هؤلاء من كلام بعيد عن المنطق السليم، مبنيّ على أساس الكبر والغرور، فتقول: «وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ ءَامَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ».
فما هؤلاء إلّاحفنة من الفقراء الحفاة من سكان القرى، والعبيد الذين لاحظ لهم من العلم والمعرفة إلّاالقليل، فكيف يمكن أن يعلم هؤلاء الحق وأن يقبلوا عليه ونحن- أعيان المجتمع وأشرافه- في غفلة عنه؟
ولذلك فإنّ الآية تجيبهم في نهايتها بهذا التعبير اللطيف: «وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ». أي: إنّ هؤلاء ما أرادوا أن يهتدوا بآيات القرآن، لا أنّ القصور في قابلية القرآن على الهداية.
جملة
«سيقولون»
بصيغة المضارع، تدل على أنّهم كانوا يرمون القرآن بهذه التهمة دائماً، وكانوا يتخذون هذا الإتهام غطاء لعدم إيمانهم.
ثم تطرقت الآية إلى دليل آخر لإثبات كون القرآن حقاً، ولنفي تهمة المشركين إذ كانوا يقولون: هذا إفك قديم، فقالت: إنّ من علامات صدق هذا الكتاب العظيم أنّ كتاب موسى الذي يعتبر إماماً أي قدوة للناس ورحمة قد أخبر عن هذا النبي وصفاته، وهذا القرآن أيضاً كتاب منسجم في آياته وفيه العلائم المذكورة في التوراة: «وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهذَا كِتَابٌ مُّصَدّقٌ». وإذا كان الأمر كذلك، فكيف تقولون: هذا إفك قديم؟
ثم تضيف بعد ذلك: «لِّسَانًا عَرَبِيًّا» يفهمه الجميع ويستفيدون منه.
ثم تبيّن في النهاية الهدف الرئيسي من نزول القرآن في جملتين قصيرتين، فتقول: «لّيُنذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ». وإذا لاحظنا أنّ جملة
(ينذر)
مضارعة تدل على الاستمرار والدوام، فسيتّضح أنّ إنذار القرآن كبشارته دائمي مستمر، فهو يحذر الظالمين