مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٥٥ - ٤٥ سورة الجاثية
المحاكم الدنيوية، فتقول: «وَبَدَا لَهُمْ سَيّئَاتُ مَا عَمِلُوا». فستتجسد القبائح والسيئات أمام أعينهم، وتتّضح لهم، وتكون لهم قريناً دائماً يتأذون من وجوده إلى جانبهم ويتعذبون من صحبته: «وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ».
والأشد ألماً من كل ذلك هو الخطاب الذي يخاطبهم به اللَّه الرحمن الرحيم، فيقول سبحانه: «وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هذَا».
لا شك أنّ النسيان لا معنى له بالنسبة إلى اللَّه سبحانه الذي يحيط علمه بكل عالم الوجود، لكنّه هنا كناية لطيفة عن احتقار الإنسان المجرم العاصي وعدم الإهتمام به.
وتتابع الآية الحديث، فتقول: «وَمَأْوَيكُمُ النَّارُ». وإذا كنتم تظنون أنّ أحداً سيهبّ لنصرتكم وغوثكم، فاقطعوا الأمل من ذلك، واعلموا أنّه: «وَمَا لَكُم مّن نَّاصِرِينَ».
أمّا لماذا ابتليتم بمثل هذا المصير؟ ف «ذلِكُم بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ ءَايَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَوةُ الدُّنْيَا».
وتكرر الآية ما ورد في الآية السابقة وتؤكّده باسلوب آخر، فتقول: «فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ».
فقد كان الكلام هناك عن مأواهم ومقرهم الثابت، والكلام هنا عن عدم خروجهم من النار .. حيث قال هناك: ما لهم من ناصرين، وهنا يقول: لا يقبل منهم عذر، والنتيجة هي أنّ لا سبيل لنجاتهم.
وفي نهاية هذه السورة، ولإكمال بحث التوحيد والمعاد، والذي كان يشكل أكثر مباحث هذه السورة، تبيّن الآيتان الأخيرتان وحدة ربوبية اللَّه وعظمته، وقدرته وحكمته، وتذكر خمس صفات من صفات اللَّه سبحانه في هذا الجانب، فتقول أوّلًا: «فَلِلَّهِ الْحَمْدُ». لأنّه «رَبّ السَّموَاتِ وَرَبّ الْأَرْضِ رَبّ الْعَالَمِينَ».
وبعد وصف ذاته المقدسة بمقام الحمد والربوبية، تضيف الآية في الصفة الثالثة: «وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِى السَّموَاتِ وَالْأَرْضِ». لأنّ آثار عظمته ظاهرة في السماء المترامية الأطراف، والأرض الواسعة الفضاء، وفي كل زاوية من زوايا العالم.
وأخيراً تقول الآية في الوصفين الرابع والخامس: «وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ».
وبذلك تكمل مجموعة العلم والقدرة والعظمة والربوبية والمحمودية، والتي هي مجموعة