مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٤٣ - ٤٥ سورة الجاثية
وتذكر
الآية التالية
ثلاث مواهب اخرى لكل منها أثره الهام في حياة الإنسان والكائنات الحية الاخرى، وكل منها آية من آيات اللَّه تعالى، وهي مواهب «النور» و «الماء» و «الهواء»، فتقول: «وَاخْتِلفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن رّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرّيَاحِ ءَايَاتٌ لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ».
إنّ نظام «النور» و «الظلمة» وحدوث الليل والنهار حيث يخلف كل منهما الآخر نظام موزون دقيق جدّاً، وهو عجيب في وضعه وسنّته وقانونه.
ويحتمل في تفسير الآية أنّ لا يكون المراد من اختلاف الليل والنهار تعاقبهما، بل هو إشارة إلى اختلاف المدة وتفاوت الليل والنهار، في فصول السنة، فيعود نفعه على الإنسان من خلال ما ينتج عن هذا الإختلاف من المحاصيل الزراعية المختلفة والنباتات والفواكه، ونزول الثلوج وهطول الأمطار والبركات الاخرى.
ثم تتناول الحديث في الفقرة الثانية عن الرزق السماوي، أي «المطر». والماء يشكل الجانب الأكبر والقسم الأساسي من بدن الإنسان، وكثير من الحيوانات الاخرى، والنباتات.
ثم تتحدث في الفقرة الثالثة عن هبوب الرياح .. تلك الرياح التي تنقل الهواء المليء بالأوكسجين من مكان إلى آخر، وتضعه تحت تصرف الكائنات الحية، وتبعد الهواء الملوث بالكاربون إلى الصحاري والغابات لتصفيته، ثم إعادته إلى المدن.
والعجيب أنّ هاتين المجموعتين من الكائنات الحية- أي الحيوانات والنباتات- متعاكسة في العمل تماماً، فالاولى تأخذ الأوكسجين وتعطي غاز ثاني أوكسيد الكاربون، والثانية على العكس تتنفس ثاني أوكسيد الكاربون وتزفر الأوكسجين، ليقوم التوازن في نظام الحياة، ولكي لا ينفذ مخزون الهواء النقي المفيد من جو الأرض بمرور الزمان.
إنّ هبوب الرياح، إضافة إلى ذلك فإنّه يلقح النباتات فيجعلها حاملة للأثمار والمحاصيل، وينقل أنواع البذور إلى الأراضي المختلفة لبذرها هناك، وينمي المراتع الطبيعية والغابات، ويهيج الأمواج المتلاطمة في قلوب المحيطات، ويبعث الحركة والحياة في البحار ويثير أمواجها العظيمة، ويحفظ الماء من التعفّن والفساد، وهذه الرياح نفسها هي التي تحرك السفن على وجه المحيطات والبحار وتجريها.
وتقول
الآية الأخيرة
، إجمالًا للبحوث الماضية، وتبياناً لعظمة آيات القرآن وأهميتها:
«تِلْكَ ءَايَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقّ».