مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٣٩ - ٤٤ سورة الدخان
وأخيراً يبيّن القرآن الكريم السابع من النعم وآخرها، فيقول: «وَوَقهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ». فإنّ كمال هذه النعم إنّما يتم عندما يخلو فكر أصحاب الجنة من احتمال العذاب، وعدم انشغالهم به، لئلا يقلقوا فيتكدر صفوهم فلا تكمل تلك النعم حينئذ.
وهذا التعبير يشير إلى أنّ المتقين إن كانوا خائفين مما بدر منهم من هفوات، فإنّ اللَّه سبحانه سيعفو عنها بلطفه وكرمه، ويطمئنهم بأن لا يدعوا للخوف إلى أنفسهم سبيلًا.
وأشارت
آخر آية
- من هذه الآيات- إلى جميع النعم السبعة، وكنتيجة لما مر تقول:
«فَضْلًا مّن رَّبّكَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ».
صحيح، إنّ المتقين قد عملوا الكثير من الصالحات والحسنات، إلّاأنّ من المسلّم أنّ تلك الأعمال جميعاً لا تستحق كل هذه النعم الخالدة، بل هي فضل من اللَّه سبحانه، إذ جعل كل هذه النعم والعطايا تحت تصرّفهم ووهبهم إيّاها.
٤٤/ ٥٩- ٥٨ فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥٨) فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (٥٩) قلنا: إنّ سورة الدخان بدأت ببيان عظمة القرآن وعمقه، وتنتهي بهذه الآيات التي تبيّن كذلك التأثير العميق لآيات القرآن الكريم، لتنسجم بذلك بداية السورة مع نهايتها. تقول الآية الاولى: «فَإِنَّمَا يَسَّرْنهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ». فمع أنّ محتواه عميق جداً، وأبعاده مترامية، لكنّه بسيط واضح، يفهمه الجميع، وتقتبس من أنواره كل الطبقات، أمثاله جميلة رائعة، وتشبيهاته واقعية بليغة، وقصصه حقيقية تربوية، دلائله واضحة محكمة، وبيانه مع عمقه بسيط سهل، مختصر عميق المحتوى، وهو في الوقت نفسه ذو حلاوة وجاذبية، ينفذ إلى أعماق قلوب البشر، فينبه الغافلين، ويعلم الجاهلين، ويذكّر من كان له قلب.
وهذه الآية شبيهة بالآية التي تكررت عدّة مرّات في سورة القمر: «وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلذّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ».
لكن لمّا كان هناك جماعة لم يذعنوا لأمر اللَّه، ولم يسلموا ويستسلموا رغم ذكر كل هذه الأوصاف، فقد هددتهم
الآية الأخيرة
، وحذرتهم فقالت: «فَارْتَقِبْ إِنَّهُم مُّرْتَقِبُونَ». فانتظر ما وعدك اللَّه بالنصر على الكفار، ولينتظروا الهزيمة والخسران ...
انتظر نزول عذاب اللَّه الأليم على هؤلاء المعاندين الظالمين، ودعهم ينتظرون هزيمتك وعدم تحقق أهدافك السامية، ليعلم أي الإنتظارين هو الصحيح؟