مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٢٩ - ٤٤ سورة الدخان
أمّا ما هو الهدف الأساس من نزوله؟ نهاية الآية أشارت إليه إذ قالت: «إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ». فإنّ سنتنا الدائمة هي إرسال الرسل لإنذار الظالمين والمشركين، وكان إرسال نبي الخاتم صلى الله عليه و آله بهذا الكتاب المبين آخر حلقة من هذه السلسلة المباركة المقدسة.
والآية التالية
وصف وتوضيح لليلة القدر، حيث تقول: «فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ».
التعبير ب
(يفرق)
إشارة إلى أنّ كل الامور والمسائل المصيرية تقدر في تلك الليلة؛ والتعبير ب
«الحكيم»
بيان لاستحكام هذا التقدير، وعدم تغيره، وكونه حكيماً.
وهذا البيان ينسجم مع الروايات الكثيرة التي تقول: إنّ مقدرات بني آدم بأجمعهم لمدّة سنة تقدر في ليلة القدر، وكذلك تفرق الأرزاق والآجال والامور الاخرى في تلك الليلة.
وتقول
الآية الاخرى
لتأكيد أنّ القرآن منزل من قبل اللَّه تعالى: «أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ».
ولأجل تبيان العلة الأساسية لنزول القرآن وإرسال النبي صلى الله عليه و آله وكون المقدرات في ليلة القدر، تضيف الآية: «رَحْمَةً مّن رَّبّكَ».
نعم، فإنّ رحمته التي لا تُحدّ توجب أن لا يترك العباد وشأنهم، بل يجب أن ترسل إليهم التعليمات اللازمة لترشدهم في سيرهم إلى اللَّه.
وتذكر نهاية هذه الآية- والآيات التالية- سبع صفات للَّهسبحانه، وكلّها تبين توحيده ووحدانيته، فتقول: «إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ».
فهو يسمع طلبات العباد، وهو عليم بأسرار قلوبهم.
ثم تقول مبينة للصفة الثالثة: «رَبّ السَّموَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ».
لما كان كثير من المشركين يعتقدون بوجود آلهة وأرباب عديدين، وكانوا يظنون أنّ لكل موجود من الموجودات إله، فإنّ هذه الآية أبطلت كل هذه الأوهام بجملة: «رَبّ السَّموَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا». وأثبتت أنّ ربّ كل موجودات العالم واحد.
وتقول في الصفة الرّابعة والخامسة والسادسة: «لَاإِلهَ إِلَّا هُوَ يُحْىِ وَيُمِيتُ». فحياتكم ومماتكم بيده، وهو سبحانه ربّكم وربّ العالمين، وعلى هذا فلا إله سواه، أوَ يكون من ليس له مقام الربوبية ولا أهليتها، ولا يملك الحياة والموت ربّاً ومبعوداً؟!
وتضيف في الصفة السابعة: «وَرَبُّ ءَابَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ».