مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٧ - ٣٢ سورة السجدة
الْقُرُونِ». فهؤلاء يسيرون بين الخرائب ويرون آثار اولئك الأقوام الذين هلكوا من قبلهم «يَمْشُونَ فِى مَسَاكِنِهِمْ».
تقع مساكن «عاد» و «ثمود» المدمّرة، ومدن «قوم لوط» الخربة في طريق هؤلاء إلى الشام، وكان المشركون يمرّون على تلك الخرائب فكأنّ لبيوت هؤلاء وقصورهم المتهدمة مئة لسان، وتبيّن لهم وتحدثهم بنتيجة الكفر والإنحطاط، ولذلك تضيف الآية في النهاية:
«إِنَّ فِى ذلِكَ لَأَيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ».
وتشير
الآية التالية
إلى أحد أهم النعم الإلهية التي هي أساس عمران كل البلدان، ووسيلة حياة كل الكائنات الحية، ليتّضح من خلالها أنّ اللَّه سبحانه كما يمتلك القدرة على تدمير بلاد الضالين المجرمين، فإنّه قادر على إحياء الأراضي المدمّرة والميتة، ومنح عباده كل نوع من المواهب، فتقول: «أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ المَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ».
«الجُرُز»: تعني الأرض القاحلة التي لا ينبت فيها شيء قطّ.
ولما كانت الآيات السابقة تهدّد المجرمين بالإنتقام، وتبشّر المؤمنين بالإمامة والنصر، فإنّ الكفار يطرحون هذا السؤال غروراً واستكباراً وتعلّلًا بأنّ هذه التهديدات متى ستتحقق، كما يذكر القرآن ذلك: «وَيَقُولُونَ مَتَى هذَا الْفَتْحُ إِن كُنتُمْ صدِقِينَ».
فيجيبهم القرآن مباشرةً، ويأمر النبي صلى الله عليه و آله أن: «قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَايَنفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ». أي: إذا كان مرادكم أن تروا صدق الوعيد الإلهي الذي سمعتموه من النبي لتؤمنوا، فإنّ الوقت قد فاتكم، فإذا حلّ ذلك اليوم لا ينفعكم إيمانكم فيه شيئاً.
والمراد من
«يوم الفتح»
يوم نزول «عذاب الإستئصال»؛ أي العذاب الذي يقطع دابر الكافرين، ولا يدع لهم فرصة الإيمان. وبتعبير آخر: فإنّ عذاب الإستئصال نوع من العذاب الدنيوي، الذي يُنهي حياة المجرمين بعد إتمام الحجة.
وأخيراً تنهي
الآية الأخيرة
هذه السورة- سورة السجدة- بتهديد بليغ عميق المعنى، فتقول: «فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانتَظِرْ إِنَّهُم مُّنتَظِرُونَ».
الآن، حيث لم تؤثّر في هؤلاء البشارة ولا الإنذار، فأعرض عنهم، وانتظر رحمة اللَّه سبحانه، ولينتظروا عذابه فإنّهم لا يستحقون سواه.
«نهاية تفسير سورة السجدة»