مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٦٣ - ٤١ سورة فصلت
اللَّه العالم بكل شيء: الآية الأخيرة- في المجموعة السابقة- تحدثت عن قانون تحمّل الإنسان مسؤولية أعماله خيراً كانت أم شراً، وعودة آثار أعماله على نفسه، وهي إشارة ضمنية لقضية الثواب والعقاب في يوم القيامة.
وهنا يطرح المشركون هذا السؤال: متى تكون هذه القيامة التي تتحدث عنها؟ الآيتان اللتان نبحثهما تجيبان أوّلًا عن هذا السؤال، إذ يقول القرآن: إنّ اللَّه وحده يختص بعلم قيام الساعة: «إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ».
ثم تضيف الآية: ليس علم الساعة وحده من مختصات العلم الإلهي فحسب، بل يندرج معه أشياء اخرى مثل أسرار هذا العالم، وما يختص بالكائنات الظاهرة والمخفية: «وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَاتٍ مّنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مّنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ».
«أكمام»: جمع «كم» على وزن «جم» وتعني الغلاف الذي يغطّي الفاكهة و «كم» على وزن «قُم» تعني الجزء من الرداء الذي يغطّي اليد.
وبما أنّ أدقّ المراحل في عالم الكائن الحي هي مرحلة النمو في الرحم والولادة، لذلك أكّد القرآن على هاتين القضيتين، سواء في عالم الإنسان والحيوان، أم في عالم النبات.
ثم يضيف السياق القرآني: إنّ هذه المجموعة التي تنكر القيامة وتستهزىء بها، ستتعرض إلى مشهد يقال لهم فيه: «وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَاءِى قَالُوا ءَاذَنكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ».
فما كنّا نقوله هو كلام باطل، كان كلاماً نابعاً من الجهل والعناد والتقليد الأعمى، واليوم عرفنا مدى بطلان ادعاءاتنا الواهية.
وهؤلاء في نفس الوقت الذي يسجّلون اعترافهم السابق، فهم أيضاً لا يشاهدون أثراً للمعبودات التي كانوا يعبدونها من دون اللَّه من قبل: «وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَدْعُونَ مِن قَبْلُ».
إنّ مشهد القيامة مشهد موحش مهول بحيث يأخذ منهم الألباب، فينسون خواطر تلك الأصنام والمعبودات التي كانوا يعبدونها ويسجدون لها ويذبحون لها القرابين.
ففي ذلك اليوم سيعلمون: «وَظَنُّوا مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍ».
«محيص»: من «حيص» على وزن «حيف» وتعني العدول والتنازل عن شيء، ولأنّ (محيص) اسم مكان، فهي تعني هنا الملجأ والمفر.
«ظنوا»: من «ظنّ» ولها في اللغة معنىً واسع، فهي أحياناً بمعنى اليقين، وتأتي أيضاً بمعنى الظن، وفي الآية مورد البحث جاءت بمعنى اليقين.