مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣١٨ - ٤٠ سورة غافر
المقطع الأوّل: راعى فيه مؤمن آل فرعون الإحتياط، ودعا القوم إلى الحذر من الأضرار المحتملة.
المقطع الثاني: وفيه وجّه مؤمن آل فرعون الدعوة إلى التأمل بما حلّ بالأقوام السابقة.
المقطع الثالث: كامن في الآيات القرآنية التي بين أيدينا، إذ تذكّرهم الآيات- من خلال خطاب مؤمن آل فرعون- بجزء من تأريخهم، هذا التاريخ الذي لا يبعد كثيراً عنهم، ولم تُمح بعد أواصر الإرتباط الذهني والتاريخي فيما بينهم وبينه؛ وهذا الجزء يتمثّل في نبوّة يوسف عليه السلام، الذي يعتبر أحد أجداد موسى، حيث يبدأ قصة التذكير معهم بقوله تعالى:
«وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيّنَاتِ». وبالدلائل الواضحة لهدايتكم ولكنّكم: «فَمَا زِلْتُمْ فِى شَكّ مِّمَّا جَاءَكُم بِهِ».
وشكّكم هنا ليس بسبب صعوبة دعوته أو عدم اشتمالها على الأدلة والعلائم الكافية، بل بسبب غروركم حيث أظهرتم الشك والتردد فيها.
ولأجل أن تتنصلوا من المسؤولية، وتعطوا لأنفسكم الذرائع والمبررات، قلتم: «حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا».
بناء على ذلك كلّه لم تشملكم الهداية الإلهية بسبب أعمالكم ومواقفكم: «كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ».
لقد سلكتم سبيل الإسراف والتعدّي على حدود اللَّه تعالى كما قمتم بالتشكيك في كل شيء، حتى غدا ذلك كلّه سبباً لحرمانكم من اللطف الإلهي في الهداية، فسدرتم في وادي الضلال والغي، كي تنتظركم عاقبة هذا الطريق الغاوي.
الآية التي تليها
تعرّف «المسرف المرتاب» بقول اللَّه تبارك وتعالى: «الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِى ءَايَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ».
وللكشف عن قبح هذه المواقف عند اللَّه وعند الذين آمنوا، تقول الآية: «كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ ءَامَنُوا».
ذلك لأنّ الجدال بالباطل (الجدال السلبي) واتخاذ المواقف ضدّ الوقائع والآيات القائمة على أساس الدليل المنطقي، يعتبر أساساً لضلال المجادلين وتنكّبهم عن جادة الهداية والصواب، وكذلك في اغواء الآخرين.
في النهاية، وبسبب عدم تسليم هؤلاء أمام الحق، تقرّر الآية قوله تعالى: «كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلّ قَلْبِ مُتَكَبّرٍ جَبَّارٍ».