مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩٣ - ٣٩ سورة الزمر
الآية الاولى
تتحدث بلهجة قاطعة وشديدة حول أخطار الشرك، وتقول: «وَلَقَدْ أُوحِىَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ».
وبهذا الترتيب، فإنّ للشرك نتيجتين خطيرتين، تشملان حتى أنبياء اللَّه فيما لو أصبحوا مشركين، على فرض المحال.
النتيجة الاولى: إحباط الأعمال، والثانية: الخسران والضياع.
وإحباط الأعمال يعني محو آثار ثواب الأعمال السابقة، وذلك بعد كفره وشركه باللَّه، لأنّ شرط قبول الأعمال هو الاعتقاد بأصل التوحيد، ولا يقبل أيّ عمل بدون هذا الاعتقاد.
وأمّا خسارتهم فإنّها بسبب بيعهم أكبر ثروة يمتلكونها، ألا وهي العقل والإدراك والعمر في سوق التجارة الدنيوية، وشراؤهم الحسرة والألم بثمنها.
الآية التالية
تضيف للتأكيد أكثر: «بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مّنَ الشَّاكِرِينَ».
تقديم اسم الجلالة للدلالة على الحصر، وذلك يعني أنّ ذات اللَّه المنزهة يجب أن تكون معبودك الوحيد.
الآية الأخيرة
في بحثنا هذا تكشف عن الجذر الرئيسي لانحرافهم، وتقول: «وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ». ولهذا تنزّلوا باسمه المقدس حتى جعلوه رديفاً للأوثان.
ثم يأتي القرآن بعبارتين كنائيتين بعد العبارة السابقة، وذلك لبيان عظمة وقدرة الباريء عزّ وجل، إذ يقول كلام اللَّه المجيد: «وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيمَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ».
«القبضة»: الشيء الذي يقبض عليه بجميع الكف، تستخدم- عادة- للتعبير عن القدرة المطلقة والتسلّط التام؛ و «مطويّات»: من مادة «طي» وتعني الثني، والتي تستعمل أحياناً كناية عن الوفاة وانقضاء العمر، أو عن عبور شيء ما.
فالذي يثني طوماراً ويحمله بيده اليمنى يسيطر بصورة كاملة على الطومار الذي يحمله بتلك اليد، وانتخبت اليد اليمنى هنا لأنّ أكثر الأشخاص يؤدّون أعمالهم المهمة باليد اليمنى ويحسّون بأنّها ذات قوّة وقدرة أكثر.
خلاصة الكلام، أنّ كل هذه التشبيهات والتعابير هي كناية عن سلطة اللَّه المطلقة على عالم الوجود في العالم الآخر، حتى يعلم الجميع أنّ مفتاح النجاة وحلّ المشاكل يوم القيامة هو بيد القدرة الإلهية، كي لا يعمدوا إلى عبادة الأصنام وغيرها من الآلهة بذريعة أنّها ستشفع لهم في ذلك اليوم.