مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٠٠ - ٣٤ سورة سبأ
لا أحد مجبر على اتّباع الشيطان: هذه الآيات في الحقيقة تمثّل نوعاً من الإستنتاج العام من قصة «قوم سبأ» التي مرّت في الآيات السابقة. يقول تعالى في الآية الاولى من هذه الآيات: «وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ».
بتعبير آخر: فإنّ إبليس بعد امتناعه من السجود لآدم وطرده من محضر الكبرياء الإلهي، توقّع وقال: «وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ* إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ» [١].
وتشير
الآية التالية
إلى مطلبين فيما يخصّ الوساوس الشيطانية، والأشخاص الذين يقعون تحت سلطته، والأشخاص الذين ليس له عليهم سلطان، فتقول الآية المباركة: «وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ».
وذلك هو عين ما ينقله القرآن عن لسان الشيطان نفسه: «وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِى» [٢]. ولكن من الواضح أنّه بعد إجابة دعوته من قبل عديمي الإيمان، وعبيد الهوى، لا يهدأ له بال، بل يسعى إلى إحكام سلطته على وجودهم.
لذا فإنّ الآية تؤكّد أنّ الهدف من إطلاق يد إبليس في وسوساته، إنّما هو لأجل معرفة المؤمنين من غيرهم ممّن هم في شك: «إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالْأَخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِى شَكّ».
والمقصود من الجملة أعلاه هو التحقق العيني لعلم اللَّه، لأنّ اللَّه سبحانه وتعالى لا يعاقب أحداً بناءً على علمه بالبواطن، والأعمال المستقبلية لذلك الشخص، بل يجب توفّر ميدان للإمتحان، ومن خلال وساوس الشياطين وهوى النفس يُظهر الإنسان ما بداخله- بكامل الإرادة والإختيار- إلى الواقع الفعلي، ويتحقق علم اللَّه سبحانه وتعالى عيناً.
ثم تختتم الآية بتنبيه للعباد: «وَرَبُّكَ عَلَى كُلّ شَىْءٍ حَفِيظٌ». حتى لا يتصوّر أتباع الشيطان بأنّ أعمالهم وأقوالهم تتلاشى في هذه الدنيا، أو أنّ اللَّه ينسى.
[١] سورة الحجر/ ٣٩ و ٤٠.
[٢] سورة إبراهيم/ ٢٢.