مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٩٢ - ٣٤ سورة سبأ
العلماء يرون دعوتك إنّها حق: كان الحديث في الآيات السابقة عن عمي البصائر، المغفّلين الذين أنكروا المعاد، والآيات مورد البحث، تتحدث عن العلماء والمفكرين الذين صدّقوا بآيات اللَّه وسعوا سعيهم لتشجيع الآخرين على التصديق بها. يقول تعالى: «وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِى أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِى إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ».
إنّ عبارة «الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ»، يشمل كل العلماء والمفكرين في كل عصر وزمان ومكان.
واليوم، فإنّ هناك كتباً متنوّعة كتبها مفكّرون غربيون وشرقيون حول الإسلام والقرآن، تحوي إعترافات ظاهرة على عظمة الإسلام وصدق الآية مورد البحث.
ويعود تعالى إلى مسألة القيامة والبعث في
الآية التي بعدها
، ويكمل البحوث السابقة بطريقة اخرى، فيقول تعالى: «وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبّئُكُمْ إِذَا مُزّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ».
يبدو أنّ إصرار- هؤلاء الكفار- على إنكار مسألة المعاد يعتمد على أمرين:
الأوّل: توهمّهم أنّ المعاد الذي تحدّث عنه رسول الأكرم صلى الله عليه و آله وهو «المعاد الجسماني»، أمر يسهل الإشكال عليه والطعن فيه.
الثاني: أنّ الإعتقاد بالمعاد، أو حتى القبول باحتماله- على كل حال- إنّما يفرض على الإنسان مسؤوليات وتعهدات، وهذا ما اعتبره رؤوس الكفر خطراً حقيقياً.
والعجيب أنّهم: «افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَم بِهِ جِنَّةٌ».
ولكن القرآن يردّ عليهم بشكل حاسم قائلًا: «بَلِ الَّذِينَ لَايُؤْمِنُونَ بِالْأَخِرَةِ فِى الْعَذَابِ وَالضَّللِ الْبَعِيدِ».
والحقيقة أنّ الحياة لو حُدّت بهذه الأيام القليلة من عمر الدنيا لكان تصور الموت بالنسبة لكل إنسان كابوساً مرعباً، لهذا السبب نرى أنّ منكري المعاد في قلق دائم منغّص وعذاب أليم، بينما المؤمنين بالمعاد يعتبرون الموت قنطرة إلى عالم البقاء.
ثم ينتقل القرآن الكريم لتقديم دليل آخر عن المعاد، مقترن بتهديد الغافلين المعاندين، فيقول تعالى: «أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ».
فإنّ هذه السماء بكواكبها الثابتة والسيّارة، وكذلك الأرض بكل مدهشاتها وأنواع موجوداتها الحية، وبركاتها ومواهبها، لأوضح دليل على قدرة الخلّاق العظيم.