مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٨ - ٣١ سورة لقمان
هنا عن جماعة يستخدمون طاقاتهم من أجل بثّ اللاهدفية وإضلال المجتمع، ويشترون شقاء وبؤس دنياهم وآخرتهم. فتقول أوّلًا: «وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا». ثم تضيف أخيراً: «أُولئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ».
إنّ شراء لهو الحديث والكلام الأجوف إمّا أن يتمّ عن طريق دفع المال في مقابل سماع الخرافات والأساطير، أو أن يكون عن طريق شراء المغنّيات لعقد مجالس اللهو والباطل والغناء. ويحتمل أيضاً أن يكون للشراء هنا معنى كنائي، والمراد منه كل أنواع السعي للوصول إلى هذه الغاية.
وأمّا «لَهْوَ الْحَدِيثِ» فإنّ له معنىً واسعاً يشمل كل نوع من الكلام أو الموسيقى أو الترجيع الذي يؤدّي إلى اللهو والغفلة، ويجرّ الإنسان إلى اللاهدفية أو الضلال، سواء كان من قبيل الغناء والألحان والموسيقى المهيّجة المثيرة للشهوة والغرائز والميول الشيطانية، أو الكلام الذي يسوق الإنسان إلى الفساد عن طريق محتواه ومضامينه.
ولجملة «لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ» مفهوم واسع أيضاً، يشمل الإضلال العقائدي، كما قرأنا ذلك في قصة النضر بن الحرث وأبي جهل، وكذلك يشمل الإفساد الأخلاقي كما جاء في أحاديث الغناء.
والتعبير ب «بِغَيْرِ عِلْمٍ» إشارة إلى أنّ هذه الجماعة الضالة المنحرفة لا تؤمن حتى بمذهبها الباطل، بل يتّبعون الجهل والتقليد الأعمى لا غير.
أمّا وصف العذاب ب
(المهين)
فلأنّ العقوبة متناغمة مع الذنب، فإنّ هؤلاء قد استهزؤوا بآيات اللَّه وأهانوها، ولذلك فإنّ اللَّه سبحانه قد أعدّ لهم عذاباً مهيناً، إضافة إلى كونه أليماً.
وأشارت
الآية التالية
إلى ردّ فعل هذه الفئة أمام آيات اللَّه، وتوحي بالمقارنة بردّ فعلهم تجاه لهو الحديث، فتقول: «وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ ءَايَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِى أُذُنَيْهِ وَقْرًا». أي ثقلًا يمنعه من السماع ..
ثم تذكر أخيراً عقاب مثل هؤلاء الأفراد الأليم فتقول: «فَبَشّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ».
إنّ التعبير ب «وَلَّى مُسْتَكْبِرًا» إشارة إلى أنّ إعراضه لم يكن نابعاً من تضرّر مصالحه الدنيوية والحدّ من رغباته وشهواته فحسب، بل إنّ الأمر أكبر من ذلك، فإنّ فيه دافع التكبر أمام عظمة اللَّه وآياته، وهو أعظم ذنب فيه.
إنّ تعبير
(بشّر)
في مورد العذاب الإلهي الأليم، يتناسب مع عمل المستكبرين الذين كانوا يتخذون آيات اللَّه هزواً.