مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٦ - ٣٣ سورة الأحزاب
الإنسانية يقترن عادةً بالضجيج والغوغاء والصخب، وينبغي أن لا يهتمّ الأنبياء بهذا الضجيج والصخب مطلقاً، ولذلك تعقب الجملة التالية فتقول: «سُنَّةَ اللَّهِ فِى الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ». فلست الوحيد المبتلى بهذه المشكلة، بل إنّ الأنبياء جميعاً كانوا يعانون هذه المصاعب عند مخالفتهم سنن مجتمعاتهم، وعند سعيهم لإجتثاث اصول الأعراف الفاسدة منها.
ويقول اللَّه سبحانه في نهاية الآية تثبيتاً لاتّباع الحزم في مثل هذه المسائل الأساسية:
«وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا».
إنّ التعبير ب «قَدَرًا مَّقْدُورًا» قد يكون إشارة إلى كون الأمر الإلهي حتمياً، ويمكن أن يكون دالًّا على رعاية الحكمة والمصلحة فيه، إلّاأنّ الأنسب في مورد الآية أن يراد منه كلا المعنيين.
٣٣/ ٣٩ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَ يَخْشَوْنَهُ وَ لَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَ كَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً (٣٩) من هم المبلّغون الحقيقيون: تشير الآية مورد البحث، ومناسبة للبحث الذي مرّ حول الأنبياء السابقين في آخر آية من الآيات السابقة، إلى أحد أهم برامج الأنبياء العامة، فتقول: «الَّذِينَ يُبَلّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ».
وكذلك الحال بالنسبة إليك، فينبغي أن لا تخش أحداً في تبليغ رسالات اللَّه.
إنّ عمل الأنبياء عليهم السلام في كثير من المراحل هو كسر مثل هذه السنن والأعراف عادةً، ولو أنّهم سمحوا لأقلّ خوف وتردّد أن ينفذ إلى نفوسهم فسوف يفشلون في أداء رسالاتهم، فيجب على هذا أن يسيروا بحزم وثبات، ويستوعبوا كلمات المسيئين الجارحة غير المتزنة، ويستمرّوا في طريقهم دون أن يهتّموا بإصطناع الأجواء ضدهم، وضجيج العوام، وتآمر الفاسدين والمفسدين وتواطئهم، لأنّ كل الحسابات بيد اللَّه سبحانه، ولذلك تقول الآية في النهاية: «وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا».
إنّه يحسب إيثار الأنبياء وتضحياتهم في هذا الطريق ويجزيهم عليها، كما يحفظ كلمات الأعداء البذيئة وثرثرتهم ليحاسبهم عليها ويجازيهم.
إنّ الآية المذكورة دليل واضح على أنّ الحزم والإخلاص وعدم الخوف من أي أحد إلّا اللَّه تعالى، شرط أساسي في التقدم والرقي في مجال الإعلام والتبليغ.