مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٥٢ - ٥٠ سورة ق
وإضافةً إلى كل ذلك فإنّه: «لَدَيْنَا مَزِيدٌ» من النعم التي لم تخطر ببال أحد.
وبعد الانتهاء من بيان الحديث حول أهل الجنة وأهل النار ودرجاتهما، فإنّ القرآن يلفت أنظار المجرمين للعبرة والاستنتاج فيقول: «وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِى الْبِلدِ». فكانت تلك الأقوام أقوى من هؤلاء وكانوا يفتحون البلدان ويتسلّطون عليها، إلّاأنّهم وبسبب كفرهم وظلمهم أهلكناهم ... فهل وجدوا منفذاً ومخرجاً للخلاص من الموت والعذاب الإلهي: «هَلْ مِن مَّحِيصٍ».
«القرن» و «الإقتران»: في الأصل هو «القرب» أو «الإقتراب» ما بين الشيئين أو الأشياء، ويطلق لفظ «القرن» على الجماعة المتزامنة في فترة واحدة، ويجمع على «قرون»، فإهلاك القرون معناه إهلاك الامم السابقة.
و «البطش» معناه حمل الشيء وأخذه بالقوّة والقدرة، كما يستعمل هذا اللفظ بمعنى الفتك والحرب.
و «المحيص»: معناها الانحراف والعدول عن الشيء، ومن هنا فقد استعملت هذه الكلمة في الفرار من المشاكل والهزيمة عن المعركة.
فإنّ الآية تنذر الكفار المعاصرين للنبي صلى الله عليه و آله أن يستقرئوا تاريخ الماضين وأن ينظروا في قصصهم للاعتبار، ليروا ما صنع بهؤلاء المعاندين الذين كانوا امماً وأقواماً أشد من هؤلاء «وليفكّروا بعاقبتهم أيضاً».
ويضيف القرآن في
آخر آية
من الآيات محل البحث مؤكّداً أكثر فيقول: «إِنَّ فِى ذلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ».
والمراد ب
«القلب»
هنا وفي الآيات الاخر من القرآن التي تتكلم على إدراك المسائل هو العقل والشعور والإدراك.
أمّا «أَلْقَى السَّمْعَ» فكناية عن الإصغاء ومنتهى الإستماع بدقة.
و «الشهيد»: يطلق على من هو حاضر القلب.
وهكذا فإنّ مضمون الآية بمجموعه يعني ما يلي: إنّ هناك فريقين ينتفعان بهذه المواعظ والنصيحة ... فالفريق الأوّل من يتمتع بالذكاء والعقل ... ويستطيع بنفسه أن يحلّل المسائل بفكره.
أمّا الفريق الآخر فليس بهذا المستوى، إلّاأنّه يمكن أن يلقي السمع للعلماء ويصغي لكلماتهم بحضور القلب ويعرف الحقائق عن طريق الإرشاد.