مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٣٠ - ٤٩ سورة الحجرات
وتُختتم الآية لمزيد التأكيد بالقول: «وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ».
وأي ظلمٍ أسوأ من أن يؤذي شخص بالكلمات اللاذعة و «اللاسعة» والتحقير واللمز قلوب المؤمنين التي هي «مركز عشق» اللَّه.
في هذه الآية يبدأ القرآن فيقول: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنّ إِثْمٌ».
المراد من هذا النهي هو النهي عن ترتيب الآثار، أي متى ما خطر الظنّ السيء في الذهن عن المسلم فلا ينبغي الإعتناء به عمليّاً، ولا ينبغي تبديل اسلوب التعامل معه ولا تغيير الروابط مع ذلك الطرف.
ولذلك نقرأ في هذا الصدد حديثاً- في الأمالي للصدوق- عن أمير المؤمنين علي عليه السلام قال:
«... وضَع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك ما يَغلِبُك منه، ولا تظنّن بكلمة خرجت من أخيك سوءاً وأنت تجد لها في الخير محملًا».
ثم تذكر الآية موضوع
«التجسّس»
فتنهى عنه بالقول: «وَلَا تَجَسَّسُوا».
وأخيراً فإنّ الآية تضيف في آخر هذه الأوامر والتعليمات ما هو نتيجة الأمرين السابقين ومعلولهما فتقول: «وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا».
وهكذا فإنّ سوء الظن هو أساس التجسس، والتجسس يستوجب إفشاء العيوب والأسرار، والإطّلاع عليها يستوجب الغيبة، والإسلام ينهى عن جميعها علةً ومعلولًا.
ولتقبيح هذا العمل يتناول القرآن مثلًا بليغاً يجسّد هذا الأمر فيقول: «أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ».
أجل، إنّ كرامة الأخ المسلم وسمعته كلحم جسده، وابتذال ماء وجهه بسبب اغتيابه وإفشاء أسراره الخفية كمثل أكل لحمه.
كلمة
«ميتاً»
للتعبير عن أنّ الإغتياب إنّما يقع في غياب الأفراد، فمثلهم كمثل الموتى الذين لا يستطيعون أن يدافعوا عن أنفسهم، وهذا الفعل أقبح ظلم يصدر عن الإنسان في حق أخيه.
وحيث أنّه من الممكن أن يكون بعض الأفراد ملوّثين بهذه الذنوب الثلاثة ويدفعهم وجدانهم إلى التيقّظ والتنبّه فيلتفتون إلى خطئهم، فإنّ السبيل تفتحه الآية لهم إذ تُختتم بقوله تعالى: «وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ».