مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٨٥ - ٤٧ سورة محمد
وصف آخر للجنة: إنّ هذه الآية وصف لمصير كل من المؤمنين والكافرين، فالفئة الاولى الذين يعملون الصالحات، والثانية زيّن لهم سوء أعمالهم.
وقد رفعت هذه الآية الغطاء عن ستة أنواع من نعم أهل النعيم، وعن نوعين من أنواع العذاب الأليم لأصحاب الجحيم، وهي تحدد عاقبة كلا الفريقين وتوضحها.
تتحدث الآية عن أربعة أنهار في الجنة، لكل منها سائله ومحتواه الخاص، ثم تتحدث عن فواكه الجنة، وأخيراً عن بعض المواهب المعنوية. تقول الآية أوّلًا: «مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِى وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاءٍ غَيْرِ ءَاسِنٍ».
ثم تضيف: «وَأَنْهَارٌ مّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ» وذلك أنّ الجنة مكان لا يعتريه الفساد، ولا تتغيّر أطعمة الجنة بمرور الزمن، وإنّما تتغيّر الأطعمة في هذه الحياة الدنيا، لوجود أنواع الميكروبات التي تفسد المواد الغذائية بسرعة.
ثم تطرّقت إلى ثالث نهر من أنهار الجنة، فقالت: «وَأَنْهَارٌ مّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ».
لا يخفى أنّ خمر الجنة وشرابها لا علاقة له بخمر الدنيا الملوّث مطلقاً، بل هو كما يصفه القرآن في الآية (٤٧) من سورة الصافات: «لَافِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ»، وليس فيه إلّا العقل والنشاط واللذة الروحية.
وأخيراً تبيّن الآية رابع أنهار الجنة بأنّه: «وَأَنْهَارٌ مّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى».
وعلاوة على هذه الأنهار المختلفة التي خلق كل منها لغرض، فقد تحدثت الآية عن فواكه الجنة في الموهبة الخامسة، فقالت الآية: «وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلّ الثَّمَرَاتِ».
وأخيراً تتحدث عن الموهبة السادسة التي تختلف عن المواهب المادية السابقة، إذ إنّ هذه الهبة معنوية روحية، فتقول: «وَمَغْفِرَةٌ مّن رَّبّهِمْ».
ولنرَ الآن ماذا سيكون مصير الفريق المقابل للمؤمنين، أي الكفار؟
تقول الآية متابعة لحديثها: «كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِى النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ».
جملة «سُقُوا» بصيغة الفعل المبني للمجهول، توضح أنّ أصحاب الجحيم يسقون الماء الحميم بالقوة، لا بإرادتهم، وبدل الإرتواء في تلك النار المحرقة فإنّه يقطّع أمعاءهم، وكما هي طبيعة الجحيم، فإنّهم يرجعون إلى حالتهم الاولى، حيث لا موت هناك.