مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٣ - ٣٣ سورة الأحزاب
ثم يتطرق القرآن إلى خرافة اخرى من خرافات الجاهلية، وهي خرافة
«الظهار»
، حيث إنّ المشركين كانوا إذا غضبوا على نسائهم، وأرادوا أن يبدوا تنفّرهم وعدم ارتياحهم، قالوا للزوجة: «أنت عليّ كظهر امّي». فيعتبرها بمثابة امّه، وكان يعدّ هذا الكلام بمنزلة الطلاق.
يقول القرآن الكريم في تتمة هذه الآية: «وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ الِى تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ». فلم يمض الإسلام هذا القانون الجاهلي، ولم يصادق عليه، بل جعل عقوبة لمن يتعاطاه، وهي: أنّ من نطق بهذا الكلام فلا يحق له أن يقرب زوجته حتى يدفع الكفارة، وإذا لم يدفعها ولم يأت زوجته فإنّ لها الحق في أن تستعين بحاكم الشرع ليجبره على أحد أمرين: إمّا أن يطلّقها وفقاً لأحكام الإسلام ويفارقها، أو أن يكفّر ويستمر في حياته الزوجية كالسابق.
ثم تطرقت الآية إلى ثالث خرافة جاهلية، فقالت: «وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ».
وتوضيح ذلك: أنّه كان من المتعارف في زمن الجاهلية أنّهم كانوا ينتخبون بعض الأطفال كأولاد لهم، ويسمّونهم أولادهم، وبعد هذه التسمية يعطونه كل الحقوق التي يستحقها الولد من الأب، فيرث الولد من تبنّاه، كما يرث المتبنّي الولد.
وقد نفى الإسلام هذه العادات غير المنطقية والخرافية أشد النفي. ولذلك يقول القرآن الكريم بعد هذه الجملة: «ذلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ».
إنّكم تقولون: إنّ فلاناً ولدي، وأنتم تعلمون علم اليقين أنّ الأمر ليس كذلك، فإنّ الأمواج الصوتية فقط هي التي تخرج من أفواهكم ولا تنبع مطلقاً من إعتقاد قلبي، وهذا كلام باطل ليس إلّا «وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِى السَّبِيلَ».
إنّ
«قول الحق»
يطلق على القول الذي ينطبق على الواقع الموضوعي تماماً، أو أن يكون من الامور الاعتبارية التي تنسجم مع مصالح كل أطراف القضية، ونعلم أنّ مسألة «الظهار» في الجاهلية، أو «التبنّي» الذي كان يسحق حقوق الأبناء الآخرين إلى حد كبير- لم يكونا من الموضوعات العينية، ولا من الاعتباريات الحافظة لمصلحة عامة الناس.
ثم يضيف القرآن مؤكّداً وموضّحاً الخط الصحيح والمنطقي للإسلام: «ادْعُوهُمْ لِأَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ».
وتقول الآية لرفع الأعذار والحجج: «فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا ءَابَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِى الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ». أي إنّ عدم معرفة آبائهم لا يكون دليلًا على أن تضعوا اسم شخص آخر كأب