مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٧١ - ٢٤ سورة الشورى
يؤول إليه مصيرها، بل يقوم بتدبير امورها وحاجاتها عن طريق الوحي، وهذه هي الصفة الثالثة من الصفات السبع.
أمّا «العليّ» و «العظيم» اللذان هما رابع وخامس صفة له- سبحانه وتعالى- في هذه الآيات، فهما يشيران إلى عدم حاجته لأيّطاعة أو عبودية من عباده.
الآية التي بعدها
تضيف: «تَكَادُ السَّموَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ» [١].
وذلك بسبب نزول الوحي من قبل اللَّه، أو بسبب التُهم الباطلة التي كان المشركون والكفار ينسبونها إلى الذات المقدسة ويشركون الأصنام في عبادته.
ويتّضح مما سلف أنّ للجملة معنيين:
الأوّل: أنّها تختص بموضوع الوحي، وهو في الواقع يشبه ما جاء في الآية (٢١) من سورة الحشر في قوله تعالى: «لَوْ أَنزَلْنَا هذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدّعًا مّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ».
الثاني: أنّ السماوات تكاد تتفطّر وتتلاشى بسبب شرك المشركين وعبادتهم للأصنام من دون اللَّه، بل هم يساوون بين أدنى الكائنات والموجودات وبين المبدأ العظيم خالق الكون جلّ وعلا.
بقية الآية، قوله تعالى: «وَالْمَلِكَةُ يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِى الْأَرْضِ».
أمّا الرابطة بين هذا الجزء من الآية والجزء الذي سبقه، فهو- وفقاً للتفسير الأوّل- أنّ الملائكة الذين هم حملة الوحي العظيم وواسطته، يسبحون ويحمدون اللَّه دائماً، يحمدونه بجميع الكمالات، وينزّهونه عن جميع النواقص، وعندما ينحرف المؤمنون أحياناً، تقوم الملائكة بنصرهم ويطلبون المغفرة لهم من اللَّه تعالى.
أمّا وفق التفسير الثاني، فإنّ تسبيح الملائكة وحمدهم إنّما يكون لتنزيهه تعالى عمّا ينسب إليه من شرك، وهم يستغفرون كذلك للمشركين الذين آمنوا وسلكوا طريق التوحيد ورجعوا إلى بارئهم جلّ جلاله.
وأخيراً تشير نهاية الآية الكريمة إلى سادس وسابع صفة من صفات اللَّه تبارك وتعالى، وتنصب حول الغفران والرحمة، وتتصل بقضية الوحي ومحتواه، وبخصوص وظائف
[١] «يتفطّرن»: من كلمة «فطر» على وزن «سطر» وتعني في الأصل الشق الطولي.