مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٣ - ٣٢ سورة السجدة
سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبّهِمْ وَهُمْ لَايَسْتَكْبِرُونَ» [١].
«خرّوا»: في الأصل من مادة «الخرير» أي صوت الماء وأمثاله حين انحداره من مرتفع إلى منخفض، واستعماله هذا التعبير في شأن الساجدين إشارة إلى أنّ هؤلاء ترتفع أصواتهم بالتسبيح في لحظة هويّهم إلى الأرض للسجود.
لقد بيّنت في هذه الآية أربع صفات:
١- أنّهم يسجدون بمجرد سماعهم آيات اللَّه. لقد ذكرت هذه الصفة والخاصية في سورة مريم الآية (٥٨) كأحد أبرز صفات الأنبياء، كما يقول اللَّه سبحانه في شأن جمع من الأنبياء العظام: «إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَاتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا».
وبالرغم من أنّ الآيات هنا ذكرت بصورة مطلقة، ولكن من المعلوم أنّ المراد منها غالباً الآيات التي تدعو إلى التوحيد ومحاربة الشرك.
٢ و ٣- فهم ينزّهون اللَّه تعالى عن النقائص من جهة، ومن جهة اخرى فإنّهم يحمدونه ويثنون عليه لصفات كماله وجماله.
٤- والصفة الاخرى لهؤلاء هي التواضع وترك كل أنواع التكبر.
ثم أشارت
الآية الثانية
إلى أوصاف هؤلاء الاخرى، فقالت: «تَتَجَافِى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ» [٢]. فيقومون في الليل، ويتّجهون إلى ربّهم ومحبوبهم ويشرعون بمناجاته وعبادته.
إنّ هؤلاء يستيقظون ويحيون قدراً من الليل في حين أنّ عيون الغافلين تغطّ في نوم عميق، وحينما تتعطّل برامج الحياة العادية، وتقلّ المشاغل الفكرية إلى أدنى مستوى، ويعمّ
[١] ينبغي الإلتفات إلى أنّ الآية الاولى هي اولى السجدات الواجبة في القرآن الكريم، وإذا ما تلاها أحد بتمامها، أو سمعها من آخر فيجب أن يسجد. طبعاً لا يجب فيها الوضوء، لكن يجب الإحتياط في وضع الجبهة على ما يصحّ السجود عليه.
[٢] «تتجافي»: من مادة «جفا» وهي في الأصل بمعنى القطع والحمل والإبعاد؛ و «الجنوب»: جمع جنب، وهوالجانب؛ و «المضاجع»: جمع مضجع، وهو محل النوم، وإبعاد الجانب عن محلّ النوم كناية عن النهوض من النوم والتوجّه إلى عبادة اللَّه في جوف الليل.