مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٠٧ - ٤٠ سورة غافر
اعترفنا بذنوبنا فهل من خلاص: تحدثت الآيات السابقة عن شمول الرحمة الإلهية للمؤمنين، أمّا مجموعة الآيات التي بين أيدينا فهي تتحدث عن «غضب» اللَّه تعالى على الكافرين، كي يكون بالمستطاع المقارنة بين صورتين ومشهدين متقابلين. في البداية تقول الآية: «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ».
من الذي ينادي هؤلاء بهذا النداء؟
يبدو أنّ ملائكة العذاب ينادونهم بهذا النداء لتوبيخهم وفضحهم، في مقابل ما تفعله ملائكة الرحمة من إكرام المؤمنين والصالحين.
«المقت»: تعني في اللغة البغض والعداوة الشديدة. وهذه الآية تبيّن أنّ غضب اللَّه تعالى على الكافرين هو أشدّ من عداوتهم لأنفسهم.
أمّا فيم يتعلّق مقت الكفار لأنفسهم، يتمثل في ارتكاب هؤلاء في الحياة الدنيا لأكبر عداوة إزاء أنفسهم برفضهم لنداء التوحيد، فهل ثمّة عداء للنفس أكثر من أن يغلق الإنسان أمامه أبواب السعادة الأبدية، ويفتح على نفسه أبواب العذاب.
عندما يشاهد المجرمون أوضاع يوم القيامة وأهوالها، ويرون مشاهد الغضب الإلهي حيالهم، سينتبهون من غفلتهم الطويلة ويفكّرون بطريق للخلاص، فيعترفون بذنوبهم ويقولون: «قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنَ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مّن سَبِيلٍ».
عندما تزول حجب الغرور والغفلة، وينظر الإنسان بالعين الحقيقية، فلا سبيل عندها سوى الإعتراف بالذنوب.
والمقصود من «أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ» هو الموت في نهاية العمر والموت في نهاية البرزخ؛ أمّا المقصود من «أَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنَ» فهي الإحياء في نهاية البرزخ والإحياء في القيامة.
وعلى هذا الأساس فإنّ هناك حياة جسمانية وحياة برزخية، ففي نهاية العمر يحل الموت بحياتنا الجسمانية؛ لكن في نهاية العالم يحل بحياتنا البرزخية.
يترتب على ذلك أن تكون هناك حياتان بعد هذين الموتتين: حياة برزخية، وحياة في يوم القيامة.
من الطبيعي أن يكون الجواب على طلب الكافرين بالعودة إلى هذه الدنيا للتكفير عمّا