مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٢٩ - ٣٨ سورة ص
وأحياناً كانوا يجتازون مرحلة التعجّب إلى مرحلة إتّهام رسول اللَّه بالسحر والكذب «وَقَالَ الْكَافِرُونَ هذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ».
إنّ إتّهامهم الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله بالسحر، إنّما نتج من جرّاء رؤيتهم لمعجزاته التي لا تقبل الإنكار وتنفذ بصورة مدهشة إلى أفكار المجتمع، وإتّهامه بالكذب بسبب تحدّثه بامور تخالف سنّتهم الخرافية وأفكارهم الجاهلية التي كانت جزءاً من الامور المسلّم بها في ذلك المجتمع، وإدّعاء الرسالة من اللَّه.
وعندما أظهر رسول اللَّه صلى الله عليه و آله دعوته لتوحيد اللَّه، أخذ أحدهم ينظر للآخر ويقول له:
تعال واسمع العجب العجاب «أَجَعَلَ الْأَلِهَةَ إِلهًا وَاحِدًا إِنَّ هذَا لَشَىْءٌ عُجَابٌ».
نعم، فالغرور والتكبّر إضافة إلى فساد المجتمع، تساهم جميعاً في تغيّر بصيرة الإنسان، وجعله متعجباً من بعض الامور الواقعية والواضحة، في حين يصرّ بشدة على التمسك ببعض الخرافات والأوهام الواهية.
وبعد أن يئس طغاة قريش من توسط أبي طالب في الأمر وفقدوا الأمل، خرجوا من بيته، ثم إنطلقوا وقال بعضهم لبعض، أو قالوا لأتباعهم: اذهبوا وتمسّكوا أكثر بآلهتكم، واصبروا على دينكم، وتحمّلوا المشاق لأجله، لأنّ هدف محمّد هو جرّ مجتمعنا إلى الفساد والضياع وزوال النعمة الإلهية عنّا بسبب تركنا الأصنام، وإنّه يريد أن يترأس علينا؛ «وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى ءَالِهَتِكُمْ إِنَّ هذَا لَشَىْءٌ يُرَادُ».
«إنطلق»: مشتقة من «إنطلاق» وتعني الذهاب بسرعة والتحرّر من عمل سابق، وهنا تشير إلى تركهم مجلس أبي طالب وعلامات الضجر والغضب بادية عليهم.
و
(الملأ)
إشارة إلى أشراف قريش المعروفين الذين ذهبوا إلى أبي طالب.
وجملة «لَشَىْءٌ يُرَادُ» إشارة إلى دعوة الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله، إذ اعتبرت قريش هذه الدعوة مؤامرة ضدّها، وقالت: إنّ ظاهرها يدعو إلى اللَّه، وباطنها يهدف إلى السيادة والرئاسة علينا وعلى العرب، ودعت الناس إلى التمسك أكثر بعبادة الأصنام، وترك تحليل أمر هذه المؤامرة إلى زعماء القوم.
فإنّ زعماء المشركين أرادوا بهذا القول تقوية المعنويات المنهارة لأتباعهم، والحيلولة دون تزعزع معتقداتهم، ولكن كل مساعيهم ذهبت أدراج الرياح.
ولخداع عوام الناس وإقناع أنفسهم، قال زعماء المشركين: «مَا سَمِعْنَا بِهذَا فِى الْمِلَّةِ الْأَخِرَةِ إِنْ هذَا إِلَّا اخْتِلقٌ».