مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٠٧ - ٣٧ سورة صافَّات
والدي قبل ذبحي اخلع ثوبي من على جسدي كي لا يتلوّث بالدم، لأنّي أخاف أن تراه والدتي وتفقد عنان صبرها.
ثم أضاف: أوصل سلامي إلى والدتي، وإن لم يكن هناك مانع أوصل ثوبي إليها كي يسلّي خواطرها ويهدّىء من آلامها.
قربت اللحظات الحسّاسة، فعندما رأى إبراهيم عليه السلام درجة إستسلام ولده للأمر الإلهي إحتضنه وقبّل وجهه، وفي هذه اللحظة بكى الإثنان.
القرآن الكريم يوضّح هذا الأمر في جملة قصيرة ولكنّها مليئة بالمعاني، فيقول تعالى:
«فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ» [١].
كبّ إبراهيم عليه السلام إبنه على جبينه، ومرّر السكّين بسرعة وقوّة على رقبة إبنه، وروحه تعيش حالة الهيجان، إلّاأنّ السكّين الحادّة لم تترك أدنى أثر على رقبة إسماعيل اللطيفة.
وهنا غرق إبراهيم في حيرته، ومرّر السكّين مرّة اخرى على رقبة ولده، ولكنّها لم تؤثّر بشيء كالمرّة السابقة. نعم، فإبراهيم الخليل يقول للسكّين: إذبحي، لكن اللَّه الجليل يعطي أوامره للسكّين أن لا تذبحي، والسكّين لا تستجيب سوى لأوامر الباريء عزّ وجل.
وهنا ينهي القرآن كل حالات الإنتظار وبعبارة قصيرة مليئة بالمعاني العميقة:
«وَنَادَيْنهُ أَنْ يَا إِبْرهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّءْيَا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ».
ثم يضيف القرآن الكريم: «إِنَّ هذَا لَهُوَ الْبَلؤُا الْمُبِينُ».
عملية ذبح الإبن البارّ المطيع على يد أبيه، لا تعدّ عملية سهلة وبسيطة بالنسبة لأب إنتظر فترة طويلة كي يرزقه اللَّه بهذا الإبن.
والذي يثير العجب أكثر هو التسليم المطلق لهذا الغلام أمام أمر اللَّه، إذ استقبل أمر الذبح بصدر مفتوح وإطمئنان يحفّه اللطف الإلهي، وإستسلام في مقابل هذا الأمر.
ولكي لا يبقى برنامج إبراهيم ناقصاً، وتتحقق امنية إبراهيم في تقديم القربان للَّه، بعث اللَّه كبشاً كبيراً إلى إبراهيم ليذبحه بدلًا عن إبنه إسماعيل، ولتصير سنّة للأجيال القادمة التي تشارك في مراسم الحجّ وتأتي إلى أرض (منى): «وَفَدَيْنهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ».
[١] «تلّه»: من مادة «تلّ» وتعني في الأصل المكان المرتفع؛ و (تلّه للجبين) تعني أنّه وضع أحد جوانب وجه إبنه على مكان مرتفع من الأرض.