مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٠٦ - ٣٧ سورة صافَّات
في الواقع إنّ ثلاثة بشائر جمعت في هذه الآية، الاولى أنّه سيرزق طفلًا ذكراً، والثانية أنّ هذا الطفل يبلغ سنّ الفتوّة، أمّا الثالثة فهي أنّ صفته حليم.
أخيراً، ولد الطفل الموعود لإبراهيم وفق البشارة الإلهية، وأثلج قلب إبراهيم الذي كان ينتظر الولد الصالح لسنوات طوال، إجتاز الطفل مرحلة الطفولة وأضحى غلاماً، وهنا يقول القرآن: «فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْىَ». يعني أنّه وصل إلى مرحلة من العمر يستطيع فيها السعي وبذل الجهد مع والده في مختلف امور الحياة وإعانته على اموره.
فقد ذهب جمع من المفسرين: إنّ عمر إسماعيل كان (١٣) عاماً حينما رأى إبراهيم ذلك المنام العجيب المحيّر، والذي يدلّ على بدء امتحان عسير آخر لهذا النبي ذي الشأن العظيم، إذ رأى في المنام أنّ اللَّه يأمره بذبح إبنه الوحيد وقطع رأسه.
امتحان شاقّ آخر يمرّ على إبراهيم الآن، إبراهيم الذي نجح في كافّة الإمتحانات الصعبة السابقة وخرج منها مرفوع الرأس، ولكن قبل كل شيء، فكّر إبراهيم عليه السلام في إعداد إبنه لهذا الأمر، حيث «قَالَ يَا بُنَىَّ إِنّى أَرَى فِى الْمَنَامِ أَنّى أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى».
الولد الذي كان نسخة طبق الأصل من والده، والذي تعلّم خلال فترة عمره القصيرة الصبر والثبات والإيمان في مدرسة والده، رحّب بالأمر الإلهي بصدر واسع وطيبة نفس، وبصراحة واضحة قال لوالده: «قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ».
ولا تفكّر في أمري، فإنّك «سَتَجِدُنِى إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ».
فما أعظم كلمات الأب والإبن وكم تخفي في بواطنها؛ فمن جهة، الأب يصارح ولده البالغ من العمر (١٣) عاماً بقضية الذبح، حيث جعله هنا شخصية مستقلّة حرّة الإرادة.
ومن جهة اخرى، عمد الإبن إلى ترسيخ عزم وتصميم والده في تنفيذ ما أمر به.
وبهذا الشكل يجتاز الأب وإبنه المرحلة الاولى من هذا الإمتحان الصعب بإنتصار كامل.
كتب البعض: إنّ إسماعيل ساعد والده في تنفيذ هذا الأمر الإلهي، وعمل على تقليل ألم وحزن والدته.
يا أبت، أحكم شدّ الحبل كي لا تتحرّك يدي ورجلي أثناء تنفيذك الأمر الإلهي، أخاف أن يقلّل ذلك من مقدار الجزاء الذي سأناله.
والدي العزيز اشحذ السكّين جيّداً، وامرره بسرعة على رقبتي كي يكون تحمّل ألم الذبح سهلًا بالنسبة لي ولك.