مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٤٠ - ٣٥ سورة فاطر
حيث أشار القرآن إلى ذلك بعد الجملة الاولى من الآية بالقول: «فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا».
هذا التعبير يدلّل على أنّهم كانوا قبل بعثة النبي الأكرم صلى الله عليه و آله- وعلى خلاف ما يدّعون- بعيدين عن دين اللَّه سبحانه وتعالى، فقد كانت حنيفية إبراهيم معروفة بينهم، إلّاأنّهم لم يكونوا يحترمونها.
الآية التالية
توضيح لما في الآية السابقة، تقول: إنّ بُعدهم عن الحق لأنّهم سلكوا طريق الاستكبار في الأرض، ولم تكن لديهم أهلية الخضوع لمنطق الحق: «اسْتِكْبَارًا فِى الْأَرْضِ». وكذلك لأنّهم كانوا يحتالون ويسيئون «وَمَكْرَ السَّيّىِ».
ولكن «وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السّيّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ».
جملة «لا يحيق»: الفعل (يحيق) من (حاق) بمعنى نزل وأصاب، والجملة معناها «لا ينزل ولا يصيب ولا يحيط»؛ إشارة إلى أنّ الاحتيال قد يؤدي- مؤقتاً- إلى الإحاطة بالآخرين، ولكنّه في النهاية يعود على صاحبه، فهو مفضوح وضعيف وعاجز أمام خلق اللَّه، وسيندمون حتماً أمام اللَّه سبحانه وتعالى، وذلك هو المصير المشؤوم الذي انتهى إليه مشركو مكة.
هذه الآية تريد القول بأنّهم لم يكتفوا فقط بالإبتعاد عن النبي صلى الله عليه و آله، بل إنّهم استعانوا بكل قدرتهم واستطاعتهم لأجل إنزال ضربة قوية به وبدعوته، والسبب في كل ذلك لم يكن سوى الكبر والغرور وعدم الرضوخ للحق.
ختام الآية تهديد لتلك المجموعة المستكبرة الماكرة والخائنة، وبجملة عميقة المعنى وبكلمات تهزّ المشاعر، يقول تعالى: «فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ».
هذه الجملة تشير إلى جميع المصائر المشؤومة التي أحاقت بالأقوام السالفة كقوم نوح، وعاد، وثمود، وقوم فرعون، حيث أصاب كلًا منهم بلاء عظيم.
ثم تضيف الآية لزيادة التأكيد قائلة: «فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا».
الآية التالية
تدعو هؤلاء المشركين والمجرمين إلى مطالعة آثار الماضين والمصير الذي وصلوا إليه، حتى يروا بامّ أعينهم في آثارهم ومواطنهم السابقة جميع ما سمعوه، وبذا يتحول البيان إلى العيان، فتقول الآية الكريمة: «أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِى الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ».