مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٢٩ - ٣٥ سورة فاطر
وما تستوي الظلمات ولا النور: تذكر الآيات مورد البحث- بما يتناسب مع البحوث التي مرّت حول الإيمان والكفر في الآيات السابقة- أربعة أمثلة جميلة للمؤمن والكافر، توضّح بأجلى شكل آثار الإيمان والكفر.
في المثال الأوّل: شبّه «الكافر والمؤمن» ب «الأعمى والبصير» حيث تقول الآية الكريمة:
«وَمَا يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ».
الإيمان نور وإشراق، يعطي البصيرة والمعرفة للإنسان في النظرة إلى العالم، وفي الإعتقاد، والعمل وفي كل الحياة، أمّا الكفر فظلمة كالحة، فلا إعتقاد صحيح ونظرة سليمة عن العالم، ولا عمل صالح.
وبما أنّ العين المبصرة وحدها لا تكفي لتحقق الرؤية، فيجب توفّر النور والإضاءة أيضاً لكي يستطيع الإنسان الإبصار بمساعدة هذين العاملين، تضيف الآية التالية: «وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ».
لأنّ الظلام منشأ الضلال، الظلام سبب السكون والركود، الظلام مسبّب لكل أنواع المخاطر، أمّا النور والضياء فهو منشأ الحياة والمعيشة والحركة والرشد والنمو والتكامل.
ثم تضيف الآية: «وَلَا الظّلُّ وَلَا الْحَرُورُ». فالمؤمن يستظل في ظل إيمانه بهدوء وأمن وأمان، أمّا الكافر فلكفره يحترق بالعذاب والألم.
ثم يقول تعالى في آخر تشبيه: «وَمَا يَسْتَوِى الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ». المؤمنون حيويون، سعاة متحركون، أمّا الكافر فمثل الخشبة اليابسة، لا فيها طراوة ولا ورق ولا ورد ولا ظل لها، ولا تصلح إلّاحطباً للنار.
وفي ختام الآية يضيف تعالى: «إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ». لكي يسمع دعوة الحق ويلبّي نداء التوحيد ودعوة الأنبياء «وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِى الْقُبُورِ».
فمهما بلغ صراخك، ومهما كان حديثك قريباً من القلب، ومهما كان بيانك معبّراً، فإنّ الموتى لا يسعهم إدراك شيء من ذلك، ومن فقد الروح الإنسانية نتيجة الإصرار على المعاصي، وغرق في التعصب والعناد والظلم والفساد، فبديهي أن ليس لديه الإستعداد لقبول دعوتك.
وعليه فلا تقلق من عدم إيمانهم، ولا تجزع، فليس عليك من وظيفة إلّاالإبلاغ والإنذار «إِنْ أَنتَ إِلَّا نَذِيرٌ».