مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١١٤ - ٣٤ سورة سبأ
٣٤/ ٥٠- ٤٧ قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَ هُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٤٧) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (٤٨) قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَ مَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَ مَا يُعِيدُ (٤٩) قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَ إِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (٥٠) ليس للكافرين مفرّ: الآيات الأخيرة من سورة سبأ تعود إلى الحديث في المشركين المعاندين الذين مرّ الحديث فيهم في الآيات السابقة عن طريق مخاطبة الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله فتصوّر حال تلك المجموعة عند وقوعها في قبضة العذاب الإلهي، كيف تفكّر في الإيمان، حين لا يكون لإيمانهم أدنى فائدة. يقول تعالى: «وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ».
وذلك الصراخ والفزع والإضطراب تتحدث عن الدنيا وعذاب الإستئصال، أو لحظة تسليم الروح، إذ يقول تعالى في
الآية الأخيرة
من هذا المقطع: «وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ».
والمقصود من جملة «أُخِذُوا مِن مَكَانٍ قَرِيبٍ» هو أنّ هؤلاء الأفراد الكافرين والظالمين، ليس فقط لا يمكنهم الفرار من يد القدرة الإلهية فحسب، بل إنّ اللَّه سبحانه وتعالى يأخذهم بالعذاب من مكان قريب منهم جدّاً.
الآية التي بعدها
، تعرض وضع هؤلاء بعد أن أخذهم العذاب الإلهي تقول الآية الكريمة:
«وَقَالُوا ءَامَنَّا بِهِ». ولكن «أَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ».
نعم فبحلول الموت وعذاب الإستئصال اغلقت أبواب العودة كليّاً، وحيل كالسدّ المحكم بين الإنسان وبين أن يكفّر عن ذنوبه، لذا فإنّ إظهار الإيمان في ذلك الحين، كأنّه كائن من مكان بعيد، وهو إيمان إضطراري بسبب الخوف الشديد من العذاب الذي يعاين هناك، مثل ذلك الإيمان أصلًا لا قيمة له.
«التناوش»: من مادة «نوش» بمعنى التناول، وبعضهم اعتبروا أنّها بمعنى «التناول بسهولة». أي كيف يتناولون الإيمان من مكان بعيد ولم يكونوا يتناولونه من قريب.
كيف يستطيعون الآن وبعد أن انتهى كل شيء أن ينبروا لجبران خطاياهم ويؤمنوا، في حين أنّهم قبل هذا كفروا: «وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِن قَبْلُ».