العقائد الاسلامية - مركز المصطفى للدراسات الإسلامية - الصفحة ٤٢ - رأي صاحب تفسير الميزان في عالم الذر والمعرفة والميثاق
والمراد إنا أخذنا ذريتهم من ظهورهم وأشهدناهم على أنفسهم فاعترفوا بربوبيتنا فتمت لنا الحجة عليهم يوم القيامة ، ولو لم نفعل هذا ولم نشهد كل فرد منهم على نفسه بعد أخذه فإن كنا أهملنا الاِشهاد من رأس ، فلم يشهد أحد نفسه وأن الله ربه ، ولم يعلم به ، لاَقاموا جميعاً الحجة علينا يوم القيامة بأنهم كانوا غافلين في الدنيا عن ربوبيتنا ، ولا تكليف على غافل ولا مؤاخذة ، وهو قوله تعالى : أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين.
وإن كنا لم نهمل أمر الاِشهاد من رأس وأشهدنا بعضهم على أنفسهم دون بعض ، بأن أشهدنا الآباء على هذا الاَمر الهام العظيم دون ذرياتهم ثم أشرك الجميع كان شرك الآباء شركاً عن علم بأن الله هو الرب لا رب غيره ، فكانت معصية منهم ، وأما الذرية فإنما كان شركهم بمجرد التقليد فيما لا سبيل لهم إلى العلم به لا إجمالاً ولا تفصيلاً ، ومتابعة عملية محضة لآبائهم ، فكان آباؤهم هم المشركون بالله العاصون في شركهم لعلمهم بحقيقة الاَمر ، وقد قادوا ذريتهم الضعاف في سبيل شركهم بتربيتهم عليه وتلقينهم ذلك ، ولا سبيل لهم إلى العلم بحقيقة الاَمر وإدراك ضلال آبائهم وإضلالهم إياهم ، فكانت الحجة لهؤلاء الذرية على الله يوم القيامة لاَن الذين أشركوا وعصوا بذلك وأبطلوا الحق هم الآباء فهم المستحقون للمؤاخذة والفعل فعلهم ، وأما الذرية فلم يعرفوا حقاً حتى يؤمروا به فيعصوا بمخالفته فهم لم يعصوا شيئاً ولم يبطلوا حقاً ، وحينئذ لم تتم حجة على الذرية فلم تتم الحجة على جميع بني آدم. وهذا معنى قوله تعالى : أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون.
فإن قلت : هنا بعض تقادير أخر لا يفي بها البيان السابق ، كما لو فرض إشهاد الذرية على أنفسهم دون الآباء مثلاً ، أو إشهاد بعض الذرية مثلاً ، كما أن تكامل النوع الاِنساني في العلم و الحضارة على هذه الوتيرة يرث كل جيل ما تركه الجيل السابق ويزيد عليه بأشياء ، فيحصل للاحق ما لم يحصل للسابق.