العقائد الاسلامية - مركز المصطفى للدراسات الإسلامية - الصفحة ٤٠ - رأي صاحب تفسير الميزان في عالم الذر والمعرفة والميثاق
ملك نفسه لوقاها مما يكرهه من الموت وسائر آلام الحياة ومصائبها ، ولو استقل بتدبير أمره لم يفتقر إلى الخضوع قبال الاَسباب الكونية والوسائل التي يرى لنفسه أنه يسودها ويحكم فيها ، ثم هي كالاِنسان في الحاجة إلى ماوراءها والاِنقياد إلى حاكم غائب عنها يحكم فيها لها أو عليها ، وليس إلى الاِنسان أن يسد خلتها ويرفع حاجتها.
فالحاجة إلى رب مالك مدبر حقيقة الاِنسان ، والفقر مكتوب على نفسه ، والضعف مطبوع على ناصيته ، لا يخفى ذلك على إنسان له أدنى الشعور الاِنساني ، والعالم والجاهل والصغير والكبير والشريف والوضيع في ذلك سواء. فالاِنسان في أي منزل من منازل الاِنسانية نزل ، يشاهد من نفسه أن له رباً يملكه ويدبر أمره ، وكيف لا يشاهد ربه وهو يشاهد حاجته الذاتية ، وكيف يتصور وقوع الشعور بالحاجة من غير شعور بالذي يحتاج إليه.
فقوله : ألست بربكم بيان ما أشهد عليه ، وقوله : قالوا بلى شهدنا ، اعتراف منهم بوقوع الشهادة وما شهدوه.
ولذا قيل إن الآية تشير إلى ما يشاهده الاِنسان في حياته الدنيا أنه محتاج في جميع جهات حياته من وجوده وما يتعلق به وجوده من اللوازم والاَحكام ، ومعنى الآية إنا خلقنا بني آدم في الاَرض وفرقناهم وميزنا بعضهم من بعض بالتناسل والتوالد وأوقفناهم على احتياجهم ومربوبيتهم لنا ، فاعترفوا بذلك قائلين بلى شهدنا أنك ربنا. وعلى هذا يكون قولهم بلى شهدنا من قبيل القول بلسان الحال أو إسناداً للازم القول إلى القائل بالملزوم ، حيث اعترفوا بحاجاتهم ولزمهم الاِعتراف بمن يحتاجون إليه.
والفرق بين لسان الحال والقول بلازم القول ، أن الاَول انكشاف المعنى عن الشيء لدلالة صفه من صفاته وحال من أحواله عليه ، سواء شعر به أم لا ، كما تفصح آثار الديار الخربة عن حال ساكنيها وكيف لعب الدهر بهم وعدت عادية الاَيام عليهم فأسكنت أجراسهم وأخمدت أنفاسهم ، وكما يتكلم سيماء البائس المسكين عن