العقائد الاسلامية - مركز المصطفى للدراسات الإسلامية - الصفحة ٢٧٣ - بحث في معرفة الله تعالى عن طريق معرفة النفس
الآدميين وأصحاب الدعوات والعزائم ونحو ذلك.
والثانية : المشتغلون بمعرفة النفس بالاِنصراف عن الاَمور الخارجة عنها والاِنجذاب نحوها ، للغور فيها ومشاهدة جوهرها وشؤونها كالمتصوفة على اختلاف طبقاتهم ومسالكهم.
وليس التصوف مما أبدعه المسلمون من عند أنفسهم لما ( ثبت ) أنه يوجد بين الاَمم التي تتقدمهم في النشوء كالنصارى وغيرهم ، حتى الوثنية من البرهمانية والبوذية ، ففيهم من يسلك الطريقة حتى اليوم ، بل هي طريقة موروثة ورثوها من أسلافهم. لكن لا بمعنى الاَخذ والتقليد العادي كوراثة الناس ألوان المدنية بعضهم من بعض ، وأمة منهم متأخرة من أمة منهم متقدمة ، كما جرى على ذلك عدة من باحثي الاَديان والمذاهب وذلك لما عرفت في الفصول السابقة من أن دين الفطرة يهدي إلى الزهد ، والزهد يرشد إلى عرفان النفس.
فاستقرار الدين بين أمة وتمكنه من قلوبهم يعدهم ويهيؤهم لاَن تنشأ بينهم طريقة عرفان النفس لا محالة ، ويأخذ بها بعض من تمت في حقه العوامل المقتضية لذلك. فمكث الحياة الدينية في أمة من الاَمم برهة معتداً بها ينشيَ بينهم هذه الطريقة لا محالة صحيحة أو فاسدة ، وإن انقطعوا عن غيرهم من الاَمم الدينية كل الاِنقطاع. وما هذا شأنه لا ينبغي أن يعد من السنن الموروثة التي يأخذها جيل عن جيل.
ثم ينبغي أن نقسم أصحاب القسم الثاني من القسمين المتقدمين وهم أهل العرفان حقيقة إلى طائفتين : فطائفة ، منهم يسلكون الطريقة لنفسها فيرزقون شيئاً من معارفها من غير أن يتم لهم تمام المعرفة لها ، لاَنهم لما كانوا لا يريدون غير النفس فهم في غفلة عن أمر صانعها وهو الله عز اسمه الذي هو السبب الحق الآخذ بناصية النفس في وجودها وآثار وجودها. وكيف يسع الاِنسان تمام معرفة شيَ مع الذهول عن معرفة أسباب وجوده وخاصة السبب الذي هو سبب كل سبب ، وهل هو إلا كمن يدعي معرفة السرير على جهل منه بالنجار وقدومه ومنشاره ، وغرضه في