العقائد الاسلامية - مركز المصطفى للدراسات الإسلامية - الصفحة ٢٧٢ - بحث في معرفة الله تعالى عن طريق معرفة النفس
وقد فاتهم أن هذه صورة إدراكية قائمة بشعور الاِنسان نظيره صورته التي يدركها من بدنه ، ونظيره صور سائر الاَشياء الخارجة المنفصلة عن بدنه ، وربما تظهر هذه الصورة المنفصلة لبعض أرباب المجاهدة أكثر من واحدة ، أو في هيئة غير هيئة نفسه، وربما يرى نفسه عين نفس غيره من أفراد الناس ، فإذا لم يحكموا في هذه الصور المذكور أنها هي صورة الروح ، فجدير بهم أن لا يحكموا في الصورة الواحدة المشاكلة التي تتراءى لاَرباب المجاهدات أنها صورة الروح.
وحقيقة الاَمر أن هؤلاء نالوا شيئاً من معارف النفس وفاتهم معرفة حقيقتها ، فأخطأوا في تفسير ما نالوه ، وضلوا في توجيه أمره. والحق الذي يهدي إليه البرهان والتجربة أن حقيقة النفس التي هي هذا الشعور المتعقل المحكي عنه بقولنا ( أنا ) أمر مغاير في جوهره لهذه الاَمور المادية كما تقدم ، وأن أقسام شعوره وأنواع إدراكاته من حس أو خيال أو تعقل من جهة كونها مدركات إنما هي متقررة في عالمه وظرفه غير الخواص الطبيعية الحاصلة في أعضاء الحس والاِدراك من البدن ، فإنها أفعال وانفعالات مادية فاقدة في نفسها للحياة والشعور ، فهذه الاَمور المشهودة الخاصة بالصلحاء وأرباب المجاهدات والرياضات غير خارجة عن حيطة نفوسهم ، وإنما الشأن في أن هذه المعلومات والمعارف كيف استقرت في النفس وأين محلها منها ، وأن للنفس سمة علية لجميع الحوادث والاَمور المرتبطة بها ارتباطاً ما. فجميع هذه الاَمور الغريبة المطاوعة لاَهل الرياضة والمجاهدة ، إنما ترتضع من إرادتهم ومشيئتهم ، والاِرادة ناشئة من الشعور ، فللشعور الاِنساني دخل في جميع الحوادث المرتبطة به والاَمور المماسة له.
فمن الحري أن نقسم المشتغلين بعرفان النفس في الجملة إلى طائفتين ، إحداهما : المشتغلون بالاِشتغال بإحراز شيء من آثار النفس الغريبة الخارجة عن حومة المتعارف من الاَسباب والمسببات المادية كأصحاب السحر والطلسمات وأصحاب تسخير روحانيات الكواكب والموكلين على الاَمور والجن وأرواح