العقائد الاسلامية - مركز المصطفى للدراسات الإسلامية - الصفحة ٢٦٦ - بحث في معرفة الله تعالى عن طريق معرفة النفس
المادية إلى نفسها ، للحصول على خواص وآثار لا توصل إليها الاَسباب المادية والعوامل الطبيعية العادية ، لا يريد إلا الاِنفصال عن العلل والاَسباب الخارجية والاِستقلال بنفسه للحصول على نتائج خاصة لا سبيل للعوامل المادية العادية إليها. فالمتدين المتزهد في دينه يرى أن من الواجب الاِنساني أن يختار لنفسه سعادته الحقيقية ، وهي الحياه الطيبة الاَخروية عند المنتحلين بالمعاد ، والحياة السعيدة الدنيوية التي تجمع له الخير وتدفع عنه الشر عند المنكرين له كالوثنية وأصحاب التناسخ ، ثم يرى أن الاِسترسال في التمتعات الحيوانية لا تحوز له سعادته ولا تسلك به إلى غرضه ، فلا محيص له عن رفض الهوى وترك الاِنطلاق إلى كل ما تتهوسه نفسه بأسبابها العادية في الجملة ، والاِنجذاب إلى سبب أو اسباب فوق الاَسباب المادية العادية بالتقرب إليه والاِتصال به ، وأن هذا التقرب والاِتصال إنما يتأتى بالخضوع له والتسليم لاَمره ، وذلك أمر روحي نفساني لا ينحفظ إلا بأعمال وتروك بدنية وهذه هي العبادة الدينية من صلاة ونسك أو ما يرجع إلى ذلك.
فالاَعمال والمجاهدات والاِرتياضات الدينية ترجع جميعاً إلى نوع من الاِشتغال بأمر النفس ، والاِنسان يرى بالفطرة أنه لا يأخذ شيئاً ولا يترك شيناً إلا لنفع نفسه ، وقد تقدم أن الاِنسان لا يخلو ولا لحظة من لحظات وجوده من مشاهدة نفسه وحضور ذاته ، وأنه لا يخطيَ في شعوره هذا البتة ، وإن أخطأ فإنما يخطيَ في تفسيره بحسب الرأي النظري والبحث الفكري.
فظهر بهذا البيان أن الاَديان والمذاهب على اختلاف سننها وطرقها تروم الاِشتغال بأمر النفس في الجملة ، سواء علم بذلك المنتحلون بها أم لم يعلموا. وكذلك الواحد من أصحاب الرياضات والمجاهدات وإن لم يكن منتحلاً بديلاً ولا مؤمناً بأمر حقيقة النفس ، لا يقصد بنوع رياضته التي يرتاض بها إلا الحصول على نتيجتها الموعودة له ، وليست النتيجة الموعودة مرتبطة بالاَعمال والتروك التي يأتي بها ارتباطاً طبيعياً نظير الاِرتباط الواقع بين الاَسباب الطبيعية ومسبباتها ، بل هو