العقائد الاسلامية - مركز المصطفى للدراسات الإسلامية - الصفحة ٢٦٥ - بحث في معرفة الله تعالى عن طريق معرفة النفس
الحروف والكواكب وغيرها ، وأصحاب الاِحضار وتسخير النفوس ، فلكل منهم ارتياضات نفسية خاصة تنتج نوعاً من السلطة على أمر النفس.
وجملة الاَمر على ما يتحصل من جميع ما مر : أن الوجهة الاَخيرة لجميع أرباب الاَديان والمذاهب والاَعمال هو تهذيب النفس بترك هواها والاِشتغال بتطهيرها من شوب الاَخلاق والاَحوال غير المناسبة للمطلوب.
لعلك ترجع وتقول إن الذي ثبت من سنن أرباب المذاهب والطرق وسيرهم هو الزهد في الدنيا وهو غير مسألة معرفة النفس أو الاِشتغال بأمر النفس بالمعنى الذي تقدم البحث عنه. وبلفظ أوضح : الذي يندب إليه الاَديان والمذاهب التي تدعو إلى العبودية بنحو أن يتزهد الاِنسان نوع تزهد في الدنيا بإتيان الاَعمال الصالحة وترك الهوى والآثام ورذائل الاَخلاق ليتهيأ بذلك لاَحسن الجزاء إما في الآخرة كما تصرح به الاَديان النبوية كاليهودية والنصرانية والاِسلام ، أو في الدنيا كما استقر عليه دين الوثنية ومذهب التناسخ وغيرهما ، فالمتعبد على حسب الدستور الديني يأتي بما ندب إليه من نوع التزهد من غير أن يخطر بباله أن هناك نفساً مجردة وأن لها نوعاً من المعرفة فيه سعادتها وكمال وجودها.
وكذلك الواحد من أصحاب الرياضات على اختلاف طرقها وسننها إنما يرتاض بما يرتاض من مشاق الاَعمال ولا همَّ له في ذلك إلا حيازة المقام الموعود فيها والتسلط على نتيجة العمل كنفوذ الاِرادة مثلاً ، وهو في غفلة من أمر النفس المذكور من حين يأخذ في عمله إلى حين يختمه. على أن في هؤلاء من لا يرى في النفس إلا أنها أمر مادي طبيعي كالدم أو الروح البخار أو الاَجزاء الاَصلية ، ومن يرى أن النفس جسم لطيف مشاكل للبدن العنصري حال فيه وهو الحامل للحياة ، فكيف يسوغ القول بكون الجميع يرومون بذلك أمر معرفة النفس.
لكنه ينبغي لك أن تتذكر ما تقدم ذكره أن الاِنسان في جميع هذه المواقف التي يأتي فيها بأعمال تصرف النفس عن الاِشتغال بالاَمور الخارجية والتمتعات المتفننة