العقائد الاسلامية - مركز المصطفى للدراسات الإسلامية - الصفحة ٣٩ - رأي صاحب تفسير الميزان في عالم الذر والمعرفة والميثاق
فمجرد ذكر الاَخذ من الشيء لا يوضح نوعه إلا ببيان زائد ، ولذلك أضاف الله سبحانه إلى قوله وإذ أخذ ربك من بني آدم الدال على تفريقهم وتفصيل بعضهم من بعض : قوله من ظهورهم ، ليدل على نوع الفصل والاَخذ ، وهو أخذ بعض المادة منها بحيث لا تنقص المادة المأخوذ منها بحسب صورتها ولا تنقلب عن تمامها واستقلالها ، ثم تكميل الجزء المأخوذ شيئاً تاماً مستقلاً من نوع المأخوذ منه ، فيؤخذ الولد من ظهر من يلده ويولده وقد كان جزء ، ثم يجعل بعد الاَخذ والفصل إنساناً تاماً مستقلاً من والديه بعد ما كان جزء منهما. ثم يؤخذ من ظهر هذا المأخوذ مأخوذ آخر وعلى هذه الوتيرة حتى يتم الاَخذ وينفصل كل جزء عما كان جزء منه ويتفرق الاَناسي وينتشر الاَفراد وقد استقل كل منهم عمن سواه ، ويكون لكل واحد منهم نفس مستقلة لها ما لها وعليها ما عليها.
فهذا مفاد قوله : وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم ، ولو قال أخذ ربك من بني آدم ذريتهم أو نشرهم ونحو ذلك ، بقي المعنى على إبهامه.
وقوله : وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ، ينبيء عن فعل آخر إلَهي تعلق بهم بعد ما أخذ بعضهم من بعض ، وفصل بين كل واحد منهم وغيره ، وهو إشهادهم على أنفسهم ، والاِشهاد على الشيء هو إحضار الشاهد عنده وإراءته حقيقته ليتحمله علماً تحملاً شهودياً ، فإشهادهم على أنفسهم هو إراءتهم حقيقة أنفسهم ليتحملوا ما أريد تحملهم من أمرها ، ثم يؤدوا ما تحملوه إذا سئلوا.
وللنفس في كل ذي نَفَس جهات من التعلق والاِرتباط بغيرها يمكن أن يستشهد الاِنسان على بعضها دون بعض ، غير أن قوله : ألست بربكم ، يوضح ما أشهدوا لاَجله وأريد شهادتهم عليه ، وهو أن يشهدوا ربوبيته سبحانه لهم فيؤدوها عند المسألة.
فالاِنسان وإن بلغ من الكبر والخيلاء ما بلغ وغرته مساعدة الاَسباب ما غرته واستهوته ، لا يسعه أن ينكر أنه لا يملك وجود نفسه ولا يستقل بتدبير أمره ، ولو