العقائد الاسلامية - مركز المصطفى للدراسات الإسلامية - الصفحة ٢٦٨ - بحث في معرفة الله تعالى عن طريق معرفة النفس
وقد أنتجت الاَبحاث السابقة أن الاَديان أياً ما كانت من حق أو باطل تستعمل تربية الناس وسوقهم إلى السعادة التي تعدهم إياها ، وتدعوهم إليها إصلاح النفس وتهذيبها إصلاحاً وتهذيباً يناسب المطلوب. وأين هذا من كون عرفان النفس هو الدين.
فالدين يدعو إلى عبادة الاِلَه سبحانه من غير واسطة أو بواسطة الشفعاء والشركاء لاَن فيها السعادة الاِنسانية والحياة الطيبة التي لا بغية للاِنسان دونها ، ولا ينالها الاِنسان ولن ينالها إلا بنفس طاهرة مطهرة من ألواث التعلق بالماديات والتمتعات المرسلة الحيوانية ، فمست الحاجة إلى أن يدرج في أجزاء دعوته إصلاح النفس وتطهيرها ليستعد المنتحل به المتربي في حجره للتلبس بالخير والسعادة ولا يكون كمن يتناول الشيء بإحدى يديه ويدفعه بالاَخرى.
فالدين أمر وعرفان النفس أمر آخر وراءه وإن استلزم الدين العرفان نوعاً من الاِستلزام.
وبنظير البيان يتبين أن طرق الرياضة والمجاهدة المسلوكة لمقاصد متنوعة غريبة عن العادة أيضاً غير عرفان النفس وإن ارتبط البعض بالبعض نحواً من الاِرتباط.
نعم لنا أن نقضي بأمر وهو : إن عرفان النفس بأي طريق من الطرق فرض السلوك إليه إنما هو أمر مأخوذ من الدين ، كما أن البحث البالغ الحر يعطي أن الاَديان على اختلافها وتشتتها إنما انشعبت هذه الاِنشعابات من دين واحد عريق تدعو إليه الفطرة الاِنسانية وهو دين التوحيد.
فإنا إذا راجعنا فطرتنا الساذجة بالاِغماض عن التعصبات الطارئة علينا بالوراثة من أسلافنا أو بالسراية من أمثالنا لم نرتب في أن العالم على وحدته في كثرته وارتباط أجزائه في عين تشتتها ، ينتهي إلى سبب واحد فوق الاَسباب وهو الحق الذي يجب الخضوع لجانبه ، وترتيب السلوك الحيوي على حسب تدبيره وتربيته ، وهو الدين المبني على التوحيد.