العقائد الاسلامية - مركز المصطفى للدراسات الإسلامية - الصفحة ١٢١ - تقوية الفطرة وتضعيفها وإساءة استعمالها
والاِثم والبغي بغير الحق ، إن الله لا يهدي ، وغيرها ، وعليك بالتدبر فيها.
ومن هنا يظهر أولاً أن القرآن الكريم يخطيء طريق الحسيين وهم المعتمدون على الحس والتجربة النافون للاَحكام العقلية الصرفة في الاَبحاث العلمية ، وذلك أن أول ما يهتم القرآن به في بيانه هو أمر توحيد الله عز اسمه ، ثم يرجع إليه ويبني عليه جميع المعارف الحقيقية التي يبينها ويدعو إليها.
ومن المعلوم أن التوحيد أشد المسائل ابتعاداً من الحس وبينونة للمادة وارتباطاً بالاَحكام العقلية الصرفة. والقرآن يبين أن هذه المعارف الحقيقية من الفطرة ، قال : فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله. الروم ـ ٣٠ أي أن الخلقة الاِنسانية نوع من الاِيجاد يستتبع هذه العلوم والاِدراكات ، ولا معنى لتبديل خلق إلا أن يكون نفس التبديل أيضاً من الخلق والاِيجاد ، وأما تبديل الاِيجاد المطلق أي إبطال حكم الواقع فلا يتصور له معنى ، فلن يستطيع الاِنسان وحاشا ذلك أن يبطل علومه الفطرية ويسلك في الحياة سبيلاً آخر غير سبيلها البتة.
وأما الاِنحراف المشهود عن أحكام الفطرة فليس إبطالاً لحكمها بل استعمالاً لها غير ما ينبغي من نحو الاِستعمال ، نظير ما ربما يتفق أن الرامي لا يصيب الهدف في رميته ، فإن آلة الرمي وسائر شرائطه موضوعة بالطبع للاِصابة ، إلا أن الاِستعمال يوقعها في الغلط ، والسكاكين والمناشير والمثاقب والابر وأمثالها إذا عبئت في الماكينات تعبئة معوجة تعمل عملها الذي فطرت عليه بعينه من قطع أو نشر أو ثقب وغير ذلك ، لكن لا على الوجه المقصود ، وأما الاِنحراف عن العمل الفطري كأن يخاط بنشر المنشار بأن يعوض المنشار فعل الاِبرة من فعل نفسه فيضع الخياطة موضع النشر ، فمن المحال ذلك.
وهذا ظاهر لمن تأمل عامة ما استدل به القوم على صحة طريقهم ، كقولهم إن الاَبحاث العقلية المحضة والقياسات المؤلفة من مقدمات بعيدة من الحس يكثر وقوع الخطأ فيها ، كما يدل عليه كثرة الاِختلافات في المسائل العقلية المحضة ، فلا