عين الحياة - العلامة المجلسي - الصفحة ٣١٠
نجومه وهو قائم في محرابه ، قابض على لحيته ، يتململ تململ السليم ، ويبكي بكاء الحزين ، فكأنّي الآن أسمعه وهو يقول : يا دنيا دنيّة أبي تعرّضت؟ أم اليّ تشوّقت؟ هيهات هيهات غريّ غيري لا حاجة لي فيك ، قد طلّقتك ثلاثاً لا رجعة لي فيها ، فعمرك قصير ، وخطرك يسير ، وأملك حقير ، آه آه من قلّة الزاد ، وبعد السفر ، ووحشة الطريق ، وعظم المورد.
فوكفت [١] دموع معاوية على لحيته فنشفها بكمّه ، واختنق القوم بالبكاء ، ثم قال : كان والله أبو الحسن كذلك ، فكيف صبرك عنه يا ضرار؟ قال : صبر من ذبح ولدها على صدرها ، فهي لا ترقى عبرتها ولا تسكن حسرتها ، ثم قام وخرج وهو باك ... [٢].
وروي بسند معتبر عن أبي ذر انّه قال : ... أهديت لجعفر جارية قيمتها أربعة آلاف درهم ، فلمّا قدمنا المدينة أهداها لعليّ ٧ تخدمه ، فجعلها عليّ في منزل فاطمة ، فدخلت فاطمة ٣ يوماً فنظرت إلى رأس عليّ ٧ في حجر الجارية ، فقالت : يا أبا الحسن فعلتها ، فقال : لا والله يا بنت محمد ما فعلت شيئاً فما الذي تريدين؟ قالت : تأذن لي في المصير إلى منزل أبي رسول الله ٦؟ فقال لها : قد أذنت لك.
فتجلّلت بجلالها ، وتبرقعت ببرقعها ، وأرادت النبي ٦ ، فهبط جبرئيل ٧ فقال : يا محمد انّ الله يقرئك السلام ويقول لك : انّ هذه فاطمة قد اقبلت تشكو عليّاً فلا تقبل منها في عليّ شيئاً.
[١] وكفت : أي سالت.
[٢] البحار ٤١ : ١٢٠ ح ٢٨ باب ١٠٧ ـ عن ارشاد القلوب.